الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٤٤١يارب كم مر من الدهر قبل أن يكون لديك أرض مدحية، ولاسماء مبنية، ولا ملك مخلوق، ولا جني ذرا، ولا انسي برا؟ فقال: ياجبريل خلقت هواء، وخلقت في ذلك الهواء أرضا وخلقت في تلك الأرض ألف ألف بحر، في كل بحر ألف ألف جزيرة في كل جزيرة اثنا عشر ألف، دار، وملأت كل دار حب خردل وخلقت طيرا أبيض وأمرته أن يأكل سنة من سنين الآخرة حبة واحدة، فلما أفنيت خلقت الدنيا. ومن حديث آخر لعله من مناجاة موسى عليه السلام، ثم اني خلقت ثمانين ألف مدينة، كل مدينة مثل دنياكم هذه سبع مرات، ثم ملات كل مدينة من الخردل الأبيض، وخلقت طيرا أبيض، وقلت للطير: ان هذه المدائن وما فيها من الخردل رزقك، فكل هنيئا مريئا، فاذا أفنيت رزقك ذقت سكرات الموت، فجعل يأكل في كل شهر حبة واحدة مخافة من الموت وسكراته، فلما رأى من الحب نقاصانا جعل يأكل كل سنة حبة حتى أكل مافي الثمانين ألف مدينة، فبعد ما فرغ آخر حبة منها صاح بالبكاء، ونادى بالويل من سكرات الموت وحره، قال يارب ماجعلت لي عمرا طويلا، ولا رزقا كثيرا، هون علي سكرات الموت، فاني سبحتك بعدد كل حبة سبعين تسبيحة، وسبعين تحمدية، فلما سلطت عليه الموت، قال: يارب ما أشد الموت، ثم مات ثم خلقت بعد ذلك في كل مدينة من تلك المدائن سبعين ألف رجل، لا من الملائكة ولا من الجن ولا من الانس، بل خلقتهم من در وياقوت، وعمرت كل واحد منهم سبعين ألف عام كل عام مثل أعوامكم ألف عام، فعصاني رجل واحد منهم، فضربت تلك المدائن بعضها على بعض بذنب رجل واحد، فقال موسى يارب وما كانت تلك المعصية؟ قال لأصحابه: الخير مني والشر
منهم.
قال المؤلف، ولعل ذلك من طريق الرياسة في القلب، كأنه جعل ما يكون منه الا الخير، وما يكون من أصحابه الا الشر، فتعاظم في نفسه حتى تكبر، والله جل وعلا يقول: مَّا أَصَابَكَ مِن حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةِ فَمِن نَّفْسِكَ} (209)، ولعل سبب الانتقام لتلك المدائن، لأنه لما عصى هذا الرجل ربه لم ينكر عليه منكر، ولم يغير عليه مغير من أولئك الرجال، ولعلهم رضوا بمجاهرتهم الله في تلك المعصية، فحل ماحل من الانتقام، وحاشا الله أن ينتقم من قوم يعبدون الله تعالى ويامرون بالمعروف وينهون عن المنكر بمعصية رجل واحد، لأن الله جل وعلا حليم لا يعجل، كريم لايبخل، لا يؤاخذ (209) سورة النساء: 79.