فواكه العلوم في طاعة الحي القيوم عبد الله بن محمد بن عامر الخراسيني

الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ٤٥٦

وسمعك وبصرك [و] جميع جوارحك مثقال ذرة من القوة الا أخرجتها في طاعته تعالى ولا همة الا بعتها في ذاته عز وجل، لأنه يقول في كتبه المنزلة: يا ابن آدم اني أنا الله الذي لا اله الا أنا أقول للشيء كن فيكون، أطعني أجعلك تقول للشيء كن فيكون، وقال تعالى: يادنيا من خدمني فاخدميه، ومن خدمك فاستخدميه وأتعبيه، أخدمي من خدمني واستخدمي من خدمك، فالتسارع والتقادم لأمره تعالى والتقاصر والتباعد عنه نهيه عز وجل، والتماوت والتساكن في القدر، لأنه في المنقول من الأحاديث عن السلف: «من ترك الكل حاز الكل»، أي: من ترك كل معاصيه حاز كل موعوده تعالى، لأنك اذا كنت في أمره تعالى كانت الأكوان في أمرك، واذا كرهت نهيه عز وجل قربت منك المكاره أينما كنت وحللت ولا يحصل لك ذلك الا اذا كنت حاسما عن جوارحك الكسل ونفسك عن المال، وعقلك عن الجدل، وقلبك عن الزلل، وروحك عن بعد الأمل، ويترك عن رؤية العمل، أو ماتلبس قاعدة التحقيق الا

سابقة التوفيق فَمَن يُرِدِ اللهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشرَح صَدْرَهُ لِلإسلام (267)، ويسر أمره، ويرفع في عليين ذكره، ويحسم من صحيفة الحفظة دينه، واصره، ولا يحصل لك ذلك الا أن تخلو بنفسك كثيرا، وتخلع بدنك خاليا وتسير كأنك مجرد بلا بدن يعرى من الملابس الطبيعية، ترى من لو أحق بالجسم الخشن بالكلية، فيكون حينئذ هذا دأبك خارجا عن جميع الأشياء مجموعا اليك عليك، مصروف البال، اليك مستوى الحال في ذات الله عز وجل، فترى في ذلك من النور والبهاء والرفعة والسناء ماتبقى له متعجبا متحيرا، فتعلم حينئذ أنك صرت جزءا من أجزاء الجبروت الأعلى ودرر حياة نافذة وخيرات ثابتة. ثم اذا كنت في أمر مهم وأردت اضمحلاله فاحفظ أبدا أمر الله تعالى عليك، وانته أبدا بنهيه، وسلم اليه مقدوره البتة، ولا تشرك به شيئا من خلقه، فارادتك وشهواتك وهواك خلقه، فلا يسرك بعبادته شيئا من ذلك، وكن قويا في جاشك وجوارحك لمحظوره وأعدائه، لينا ودودا عطوفا لأحبائه وأصفيائه، ثم سر كأنك مجذوب العقل الى مقصدك، حاسما كل الهمم عما ورائك، فقم وتوضأ أحسن الوضوء، بقلب حاضر، ولسان ذاكر، وخاطر الى موعود الله تعالى مشغوف ناظر، فان وافقت مكتوبة فحسن جدا، والا تخير من الأوقات المباركة، ثم قم بين يدي الله تعالى متجردا من طبيعة النفس، خاليا من أسباب الهوى، قاطعا أبدا من وساوس الشيطان، واعقد النية وثبت الأمنية (267) سورة الأنعام: 125

1207_