الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٥٢١بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي جعل النداء ترجمانا للعبادة، وسلما لمدارج السعادة، يحييه المخبت إلى ربه، الصاقل من درن القساوة نواضر قلبه، لقوله عز وجل: {وَإِذَا نَادَيتُم إِلَى الصَّلَاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوا وَلَعِبَا ذَلِكَ بِأَنَّهُم قَومٌ لا يَعْقِلُونَ) (1)، فالذي ورد في الحديث أنه كان (2) نادى منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم الى الصلاة وقام المسلمون اليها، قالت اليهود: قد قاموا ولا قاموا، وصلوا ولا صلوا على طريق الاستهزاء وضحكوا فانزل الله عز وجل هذه الآية، وقيل: نزلت في رجل من النصارى بالمدينة، كان اذا سمع المؤذن يقول: «أشهد أن محمدا رسول الله»، قال: أحرق الله الكاذب، فدخل خيمته ذات ليلة هو وأهله نيام، فتطايرت شرارة في البيت فاحرقته وأهله. وقيل: ان الكفار لما سمعوا الآذان حسدوا المسلمين فدخلوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا: يامحمد لقد ابتدعت شيئا لم نسمع به فيما مضى من الأمم، فان كنت تدعي النبوة فقد خالفت فيما أحدثت الأنبياء قبلك، ولو كان فيه خير لكان أولى الناس به الأنبياء عليهم السلام، فمن أين لك صياح كصياح العير، فما أقبح من صوت، وما أسمج من أمر، فانزل الله عز وجل هذه: ﴿وَمَن أَحْسَنُ قَولاً مِّمَّن دَعَا إِلَى اللهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ المُسلِمِينَ﴾ (3)، وهذا على بعض القول في المؤذنين، وقيل: ان هذه الآية نزلت في رسول الله حين دعا بشهادة أن لا اله الا الله وحده لا شريك له وأن محمداً عبده ورسوله، وقيل: هو المؤمن أجاب الله في دعوته، ودعا الناس الى ما أجاب اليه وَعَمِلَ صَالِحام في اجباته، {وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ المُسلِمِينَ، ولهذا تفسير يطول، تركت شرحه خوف الاطالة. وعندي ـ والله أعلم - أن نصب هُزُواً وَلَعِبا على الغلبة قياسا على قوله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُم هُزُواً وَلَعِباً مِّنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ مِن قَبلِكُم وَالكُفَّارَ أولياء (4)، قيل: انها نزلت هذه الآية في رفاعة بن زيد وسويد بن الحارث، أظهرا الاسلام ثم نافقا، وكان رجال من المسلمين يوادو هما (ه)، فانزل الله عز وجل هذه الآية باظهار
(1) سورة المائدة: 58. (2) لعل الصواب: كلما (3) سورة فصلت: 33.
(4) سورة المائدة: 57 (5) الصواب: يوادونهما.
- 521 -