الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٧٣بسم
الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي أطفا بامواج العلوم نيران الجهالة، وأحيى جثث الفهامة بروح بيان المقالة، وأنبت زيتون الزهادة من أموات العلوم، وأطلع سعد السعادة بسماء طاعة الحي القيوم، فحينئذ أزهرت فدافد (1) الافادة من نور أقحوان (2) القبول، وانبتر جيد الجرائم بعوالي (3) علوم العقول، فانسلخ ليل الملاهي بغثيان نهار الدلالات، وطخطخ (4) ليل المهاوي بجذوة نيران الولايات، فاصبحت تنق ضفادع المظالم بجور الحقد، وتدق مقامع الحق حجارة الجحود والأد (5). فمع ذلك غرد عندليب العدالة بحرحار الجود والمحاسن، وتفرقت جرجور (1) الجرائم حين لحظت أشد المصالح بجميع الأماكن، أولئك هم القوامون بهذه العلوم، أعلام قد رفعهم الله في درجات المعالي، فآنسهم بهما في مدلهمات الليالي، وقد نظروا الى الدنيا نظرة الشنان، فأعرضوا عنها اعراض الثملان فطأطأت رأسها لخدمتهم طول الدهور والأزمان، الى أن أحدود مطاها، وأحقوقف (7) صلبها وهواها، ولم يميلوا اليه ميل الاستحياء، ولم يأخذوا منها حجرا للاستنجاء، وأما الذين زرعوا جوجر الحرم، بحد جد الجدال، وطمسوا عيون العلوم بسكين عدم السؤال. وتشدقوا بنوادي الفخر والاعجاب، ونصبوا راية الرياء لأولي النهي والألباب، حتى جعلوا العلوم مرقاة للمطامع، وسمعة في كل المجامع، أولئك يفتحون محجورات الالتباس قربة لغوغاء الناس، مستترين عن أولي العلم والأكياس، فيذيعوا بالسنتهم مشرعين، ويقسموا بالله أنهم لمن المحقين
و تو
وَاللهُ يَعلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} (8)، اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُم جُنَّةَ فَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّهُم سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} (9). اللهم اني أسألك من سنى شموس الهداية،
(1) فدافد مفردها فدفد وهي الفلاة والمكان الصلب الغليظ.
(2) أقحوان: أزهار ربيعية صفراء وتكون بيضاء أيضا
(3) عوالي: أرفعها
•
(4) طخطخ: من طخ، بمعنى رمي الشيء، وأبعده.
(0) الأد: الطلب والقوة.
(6) جرجور: جماعة
(7) احقوقف: الرمل أو الظهر: طال وأعوج.
(8) سورة التوبة: 42. (9) سورة المنافقون: 2.
- 73 -