الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ١٨٧الحمد لله الذي فجر ينابيع الرزق من زواخر البيوعات، وأجرى أنهار الطاعة والخضوع من أمواه الدريهمات (1). وأوضح الحلال من البيوعات والحرمات، في غرائب الدلائل والآيات، لقوله عز وجل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا (2). قالوا ورد بالأخبار المنقولة، والله أعلم؛ أن هذه الآية نزلت في العباس بن عبد المطلب، وعثمان بن عفان، وكانا قد سلفا (3) في التمر. فلما حضر الجداد قال لهما صاحب التمر: إن أنتما أخذتما حقكما لا يبقى لي مايكفي عيالي، فهل لكما أن تأخذا النصف وتؤخرا النصف، وأضعف لكما، ففعلا. فلما حل الأجل طلبا الزيادة، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنهاهما فأنزل الله هذه الآية، فسمعا وأطاعا وأخذا رؤوس أموالهما، والله أعلم. وقيل: نزلت في العباس وخالد بن الوليد، وكانا شريكين في الجاهلية يسلفان في الربا إلى بني عمرو بن عمير، من ثقيف. فجاء الإسلام ولهما أموال عظيمة في الربا، فأنزل الله تعالى هذه الآية. وقيل، والله أعلم، إنها نزلت في أربعة إخوة من ثقيف وهو مسعود وعبد ياليل، وحبيب، وربيعة، وهم بنو عمرو بن عوف الثقفي، كانوا يداينون بني المغيرة بن عبد الله بن عمير بن مخزوم وكانوا يربون. فلما ظهر النبي بحل الطائف أسلم هؤلاء الإخوة، وطلبوا رباهم من بني المغيرة، فقالت بنوا المغيرة: والله مانعطي الربا في الإسلام، وقد وضعه الله عز وجل عن المؤمنين. واختصموا إلى عتاب بن أسيد (4)، كان عامل رسول الله صلى الله عليه وسلم على مكة، فكتب عتاب إلى النبي صلى الله عليه وسلم بقصة الفريقين، وكان ذلك مالا عظيما، فأنزل الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّنَا (). والله أعلم.
(1) أمواه الدريهمات: الظاهر أن المراد المال السائل كالماء.
(2) سورة البقرة 278.
(3) أسلفا. (4) انظر الملحق.
(5) سورة البقرة 178، انظر سبب النزول في أسباب النزول للنيسابوري 77.
-
187 -