الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ١٩٩-
هم المبصرون باطن الدنيا حين نظر الناس ظاهرها، وهم الذائقون کدر مجاليها حين ذاق الناس حلو مشاربها، وهم الطالبون اجل الدنيا حين طلب الناس عاجلها، فرضوا اقبالها حين تمسك الناس ترتيب حيالها، قد انفردوا عن أبناء الدنيا فى صوامع جبالها، وفارقوا خدامها، وتقسسوا بنحض الأوتاد عن عمالها، لم يطلبوا اكثارها، ولم يخرعهم ادبارها، ولم يسرهم سرورها تركوها، فماسروها فرحين، وخفضوها فما برفعتها مستبشرين، فباعوا فكانوا في بيعها رائحين
واغتنموا بوضعها لهم المنزلات، ووردوا من عطاياها المكرمات، ونظروا الى أهلها قد خلت منهم المثلاث، وفى كل خير يجددون ذكر الممات، ولم تأخذهم عنه تصغر الغفلات، لا يضيمون على جار، ولا يطلبون عزة ثأر، طبعت قلوبهم بذكر المنار، أولئك هم أولو الأبصار، روحانيو الأرض،
أولئك هم الأبرار
أجسادهم مع المناس حاضرة، وقلوبهم نفرت في عرضات الآخرة، قد مازجوا الصحة بالعلال، وقابلوا الليل بالبخال، وواصلوا الكلال بالكلال، وعجنوا دقيق الفرح بحميم الحزن والاتكال، أخلاقهم وطنت في الضيم والعفو كالأطفال، ووطنت في ذات الله أشد من قسورة الأشبال (أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من
الله
ورضوانا سيماهم في وجوههم من أثر السجود، ذلك مثلهم في التوراة