المقدمات
الجزء ١ · صفحة ٢١١مسائل النية
211
بواسطة الرَّسُول، وهَذَا القَوْل هُو مَذهبُ أَصْحَابِنَا كَمَا سَيَأْتِي تَحقيقه عِند
الكلام على هَذَا المَعْنَى، وَالله أَعلَم.
الناظر في
وَأَمَّا الحُجَّةِ: فَهي ما يَقعُ بِهَا حَقيقة الشَّيْء المنظورِ فِيه؛ أَي: لَو نَظر تِلْكَ الحُجَّةِ بعين الصدقِ لاتَّضحَ بِهَا حَقِيقَة ذَلِكَ الشَّيْءِ الَّذِي نظر فيه، فهي حُجَّة على مَن قامَت عَلَيْهِ إِذَا كَانَتْ على هَذَا الحالِ، سَواء نظر فيها أم لا، وسواء عَرفَ أَنَّها حجّة أم لَمْ يَعرف، ولولا ذَلِكَ لَما قامت لله على خَلقه حجّة، والله على الناس الحُجَّةُ البالغةُ عَرفَها مَن عَرفَها وجهلَها مَن جَهل.
وهي على نوعين؛ لأنَّها إِمَّا أن تَكُون حجة عقليَّة، وَإِمَّا أَن تَكُون
سمعيَّة، وهَذَا مَعْنَى قَول الناظم: (بالسمع أو بالعَقْل فيما عَقَلَه). فأمَّا الحُجَّةُ العَقْليَّة: فَهي ما تَكُون بِخاطِر البال، أو بإلهام في القلوب، أو بانشراح الصدر إلى ذَلِكَ الشَّيء، وهي حجة على المُكَلَّف؛ فالأمور العَقْليَّة كَوجود الله تَعَالَى، ومَعْرِفَة كمالاته إلى غَير ذَلِكَ مِمَّا سيأتِي بَيَانُه، فإذَا خَطر على البالغ العاقل أَنَّ لَه إِلَها / 57/ فذَلِكَ الخاطرُ هو حجة الله عَلَيهِ، سَواء سَمِع بأَنَّ لَه إِلَهاً أَو لَمْ يَسمَع، وكَذَلِكَ إِذَا انشَرِحَ صَدرُه لِمَعْرِفَة شَيء من كمالات الله تَعَالَى وَكَذَلِكَ إِذَا أُنْهِم شَيْئاً مِن ذلِكَ، فَإِنَّ هَذِهِ الأَشياء كُلّهَا حُجَج عقليَّة تقومُ الله على عباده من جهة عُقُولِهِم فيما يُدرِك العَقْل فِيه عِلمه، قال تَعَالَى: لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا اتَنَهَا (1) وقد أتاهَا العِلم بِمَا يُدركُ العَقْلَ علمُه، وَقَالَ تَعَالَى: لَا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلَّا مَا ءَاتَنَهَا، ومِن وُسعها إدراك ما أدركه العَقْل.
(1) سورة الطلاق، الآية: 7.