الجزء الخامس
الجزء ٦ · صفحة ٤٨٦486
معارج الآمال - الجزء الخامس
تعدده بتعدد المتروكات إذا كان تركها متوالياً، بل جعلوه تركاً واحداً. ومنهم من قال: إن كان ما ترك من الصَّلَوَات في معنى واحد بسبب واحد فعَليْه كفارة واحدة؛ فإذا أضاع صلاة أو صَلَوَات بغير ذلك السبب، فعَلَيْه لذلك أيضاً كفَّارة ثانية.
وهؤلاء اعتبروا تَخلّف الأسباب فأوجبوا الكفَّارة على السبب المفضي لترك الصَّلَاة؛ لأنَّ الترك إِنَّمَا كان به، فتوجيه العقوبة عليه أولى. وفيه أنَّ العقوبة عَلَى الترك لا عَلَى السبب؛ فقد يكون السبب في أصله مباحاً كالنوم والاشتغال بالمباح فلا يستحقُ عَلَيْه العقوبة.
وَيُجَاب: بأنَّ المباحَ إِذا أفضى إلى ترك الواجب انقلب معصية فيستحق لذلك العقوبة. وقد يستأنس لقوله بفعل سليمان المذكور في قوله تَعَالَى: {فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَن ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ * رُدُّوهَا عَلَى فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ (1)، فَإِنَّه روي عنه ـ عَلَيْهِ الصَّلَاةِ والسلام ـ أَنَّه اشتغل بعرض الخيل عَلَيْه حَتَّى فاتت العصر، وهو معنى قوله حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ أي توارت الشمس فانتبه عند ذلك من نسيانه، وذكر الصَّلَاة فندم عَلَى الاشتغال، وأمر بردّ الخيل عَلَيْه وطفق يقطع سوقها وأعناقها معاكسة لحالة الاشتغال، ومراغمة لحبّ النفس. ولعل / 362/ قطع أعناقها وسوقها كان كفَّارة له في شريعته. ولابد من القول بجواز ما فعل في شرعه فلا يعترض عَلَيْه بالوارد في شرعنا.
وبهذا يظهر لك بطلان ما نسبه أهل الكفر والضلال إليه ـ عَلَيْه
(1) سورة ص، الآيتان: 32 - 33.