المقدمات
الجزء ١ · صفحة ٣٣٠معارج الأمال
الصَّلَاة أَنَّهَا لَيسَت كَالصيام لا يدخل فيها أحد إلَّا بذكر، فظنَّ أَنَّ الذكر تلفظ المصلي بالنيَّة، وأنَّ مراد الشافعي بالذكر تكبيرة الإحرام لَيسَ إِلَّا، وكَيف يَستَحبُّ الشافعي أمراً لَمْ يَفعله رَسُول الله صلى الله عليه وسلم في صلاة واحدة، ولا أحد من خلفائه وأصحابه، وَهَذَا هَديُهم وسيرتُهم، فإن أوجدنا أحد حرفاً ذَلِكَ قُلْنَاه وقابلناه بالقبول والتسليم، ولا هدي أكمل من
واحداً عنهم في هديهم، و ولا سُنَّة إِلَّا ما تلقَّوه عن صَاحِب الشَّرْع، اهـ هَذَا كلام القاري، مع تقديم وتأخير وبعض تَصرُّف.
وأقول: أَمَّا استحبابُ التلفظ بِمُقتَضَى النيَّة فلا وجه لتحريمه سواء نُقِل ذَلِكَ عن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم أَو لَمْ يُنقل، كيفَ وَقَد نُقِل عنه أَنَّهُ قال: «اللَّهُم إِنِّي أريدُ الحجَّ»، فَفِي هَذَا ما يَدُلُّ على جواز التلفظ بالنية بل على استحبابه، والحج عِبَادَة ومِثله سائر العِبَادَات، فأمَّا مَا اعترض به القاري / 118 / من الاحتمالات فَهُوَ على خِلَافِ الظَّاهِر، بل الظَّاهِرِ هو أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاة والسَّلَام إِنَّمَا أظهر مُقتَضَى نيَّته، وكَذَلِكَ ما ذكره القسطلاني من التعقُب لهذا الاستدلال بِأَنَّهُ عَلَيه الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ قَالَ ذَلِكَ في إحرامه تعليماً للصحابة ما يُهلُّونَه به ويقصدونه من النُّسُكَ، فَإِنَّ كون ذَلِكَ تعليماً للصحابة لا يُنافي كونه مُظهراً لنيَّته وقصده، بل الظَّاهِرِ أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم إِنَّمَا أظهرَ ذَلِكَ تَعبيراً عَن مُقتَضَى نيَّته، وتعليماً لأصحابه أن يقتدوا به، فثبت جواز ذَلِكَ بل استحبابه.
ابتداء
وَأَيضاً: فَلو لَمْ يُنقل عن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم شَيْءٍ مِن هَذَا لَمَا كَانَ لتحريمه مَعْنًى؛ لأنَّ المسلمين قد استحسنوه، وقد قال صلى الله عليه وسلم: «مَا رَآه المُسلِمُونَ حَسَناً فَهُوَ عِندَ اللهِ حَسَن رواه المناوي في كنوز الدقائق عن أحمد بسنده، فليسَ التلفظ بمُقتَضَى النيَّة الذي استحبه المتأخّرون أشدُّ