الجزء الأول
الجزء ٢ · صفحة ٥٠٤504
معارج الآمال - الجزء الأول
وأصحاب المذهب الثاني اعتبروا الأغلب؛ فعلى مذهبهم يجب أن يُحكم للآنية الفاسدة التي فيها واحد طاهر بحكم الفساد حملاً للأقل على الأكثر، فإن كان آنيتان واحدة طاهرة والأخرى نجسة، فهنالك أشكل الحال، إذ لا أغلبية فأوجبوا المصير إلى التَّيَمُّم بعد خَلط الماءين بعضهما في بعض. وفي هذا إشكال من وجهين:
عندهم
أحدهما: أنَّ في هذا المذهب التزام تغليب النجاسة على الطهارة إذا كانت النجاسة أكثر، والطهارة من خصال الإسلام والنجاسة من خصال الشرك، والإسلام يعلو ولا يُعلَى، ولو أعجبك كثرة الخبيث.
وَأيضاً: فَالقاعدة: أَنَّهُ إذا احتملت الطهارة من وجه، فلا يُحكم بالنجاسة تغليباً للطاهر على النجس، حَتَّى قالَ بَعضُهم: إذا ورد النجس من
تسعة وتسعين باباً، وورد الطاهر من باب واحد غلب الطاهر على النجس. وَوجهُ ذَلِكَ: أَنَّهُ إذا احتمل للنجاسة في شيء احتمالات كثيرة ولم يحتمل للطهارة في ذَلِكَ الشيء إِلَّا احتمال واحد، أخذ باحتمال الطهارة وألغى احتمالات النجاسة.
وَثَانِيهما: أنَّ خلط الماءين بعضهما في بعض إذا كان أحدهما طاهراً والآخر نجساً، ثُمَّ المصير بعد ذَلِكَ إلى التَّيَمُّم لا مَعنَى له؛ لأَنَّه إِذا كان الماء في حكم الطهارة، فالواجب عَلَيْهِ الطهارة بذَلِكَ الماء، وإن كان في حكم النجاسة فخلط بعضه في بعض عناء، بل يتَيَمّم من أَوَّل الأمر حين لَمْ يجد غيرهما، ولا يشتغل بالخلط ما يخشى في ذلك من إصابة النجس لشيء من بدنه أو ثيابه، فإن قدَّرنا أَنَّهُ أَمِن ذَلِكَ فجعل الخَلْط شرطاً للتّيَمُّم
/ 344/ لا معنى له.