الجزء الأول
الجزء ٢ · صفحة ٦١٦616
معارج الآمال - الجزء الأول
لانتفاء العين، ولا نظر لوجود الخيلاء فيها؛ لأنَّ الخيلاء جزء العِلَّة لا جميعها؛ فلا يكفي وحده في إثبات الحُكْم، على أَنَّهُ لا يعرف ذَلِكَ الإناء النفيس إِلَّا الخواص فلا تنكسر باستعماله قلوب الفقراء؛ لأنَّهم لو رأوه لَمْ يعرفه غالبهم بخلاف الذهب والفِضَّة فَإِنَّهُ لا يَخفى على أحد منهم، فلو جاز استعماله لأدَّى إلى كسر قلوبهم.
وَأَمَّا ثانياً: فقد روي عن أم سلمة أنَّ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قال: «إِنَّ الَّذِي يَأْكُلُ ويَشْرَبُ فِي آنِيَةِ الذهبِ وَالفِضَّةِ إِنَّمَا يُجَرجِرُ في بَطْنِهِ نَارَ جَهَنَّمَ (1)، وفي
رواية عن أنس «أَنَّهُ نَهَى عَن الأَكْلِ وَالشُّرب في إِنَاءِ الذهَبِ وَالفِضَّة) ففي هاتين الروايتين النصُّ على أنَّ الأكل مساوٍ للشرب في هذا الحُكْم؛ فهو دليل لأصحابنا في امتناعهم عن ذَلِكَ فسقط اعتراض أبي مُحَمَّد
عَلَيْهِم. وَأَمَّا قوله: «وقد يردُّ الشرع بتحريم الأخفّ وإباحة الأعظم منه فمردود؛ لأنَّ ذلِكَ أمر لَمْ يَعهد في الشرع، بل المعهود أنَّ الشارع إذا حرَّم شيئاً حرَّم ما هو أشد منه في ذَلِكَ المَعنَى؛ فَإِنَّهُ تَعَالَى قد حرَّم التأفيف للوالدين في قوله: {فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُبِ (3)، وأجمعت الأُمَّة على تحريم ضربهما لهذه الآية؛ لكونه أشدّ إيذاء لهما؛ فإذا حرّم التأفيف الذي هو
(1) رواه مسلم عن عبيد الله كتاب (37) اللباس، باب (1) تحريم استعمال أواني الذهب والفضة في الشرب وغيره على الرجال والنساء، ر 2065، 1635/ 3. وابن أبي شيبة، عن أم سلمة بلفظه، كتاب (15) الأشربة، (29) في الشرب في آنية الذهب والفضة،
ر 24125، 102/ 5.
(2) رواه النسائي في سننه عن أنس بن مالك بلفظه، كتاب (38) الوليمة، (22) صحاف الفضة، (6598، 220/ 6. والنيسابوري: الأوسط، بلفظ قريب ذكر النهي عن الشراب
في آنية الذهب والفضة، 318/ 1.
(3) سورة الإسراء، الآية: 23.