الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٢٨٦286
أحكام القانون الدولي والعلاقات الدولية في الفقه الإباضي
وهكذا فقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قتل رسل أهل الحرب … ما لم ينقض الرسول منهم … عهد الأمان له بعدوان» (1).
فقد رُوي أنه أرسل مسيلمة إليه صلى الله عليه وسلم رسولين بكتاب فلما قرأه قال لهما: «فما تقولان؟ فقالا: نقول بما قال، فقال صلى الله عليه وسلم: «لولا أن الرسل لا تقتل لقتلتكما» (2).
وهكذا فقد جرت السُّنَّة بعدم قتل رسل ومبعوثي الدول الأجنبية حتى ولو استخدموا ألفاظا جارحة يعاقب عليها الشخص العادي؛ يقول ابن قيم الجوزية: وكانت تقدم عليه رسل أعدائه وهم على عداوته فلا يهيجهم
ولا يقتلهم ذلك أنه جرت سُنّته «ألا يقتل رسول» (3).
يقول الإمام الخطابي تعليقا على ذلك:
وأما قوله: لولا أنك رسول لضربتُ عنقك فالمعنى في الكف عن دمه أن الله سبحانه قال: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَمَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ﴾ [التوبة: 6]، فحقن له دمه حتى يبلغ مأمنه ويعود بجواب ما
أرسل به فتقوم به الحجة على مرسله» (4).
(1) ابن محبوب ثلاث رسائل إباضية كتاب المحاربة، ص 36. (2) أطفيش: وفاء الضمانة بأداء الأمانة في فن الحديث المرجع السابق، ج 5، ص 222. وقد حدث ذلك سنة عشرة حينما ارتد بنو حنيفة وهم قوم مسيلمة الكذاب. تنبأ وكتب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من مسيلمة رسول الله، إلى محمد رسول الله، أما بعد فإنَّ الأرض نصفها لي ونصفها لك، وإني قد أشركت في الأمر ولكن قريشا تعتدي»، فكتب إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بـ بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله إلى مسيلمة الكذاب، السلام على من اتبع الهدى، أمَّا بعد، فـ إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} [الأعراف: 128]، راجع أطفيش تيسير التفسير، ج 4، ص 66 - 67 (ذكره في تفسيره للآية 4 من سورة المائدة).
(3) ابن القيم الجوزي: زاد المعاد في هدي خير العباد، ج 2، ص 75.
(4) الخطابي: معالم السنن، ج 2، ص 319.