أحكام القانون الدولي والعلاقات الدولية في الفقه الإباضي أحمد أبو الوفا [دارس عن الإباضية]

الجزء الثالث

الجزء ٣ · صفحة ٥٦

أحكام القانون الدولي والعلاقات الدولية في الفقه الإباضي

المبحث الأول

الوساطة

تعتبر الوساطة من الوسائل التي تتضمن تدخل الغير الذي لا يملك حسم النزاع.

وتتميز هذه الوسيلة بأن الأطراف المتنازعة لا يجعلون حل النزاع رهن

بالإجراءات التي يتخذونها هم وحدهم، وإنما يلجأون إلى طرف ثالث لمساعدتهم على حله، دون أن يكون لهذا الأخير القول الفصل في تسوية النزاع، ذلك أن الأمر يتوقف ـ في النهاية - على إرادتهم وموافقتهم؛ إذ إن كل الاقتراحات أو الحلول التي يقدمها الغير بالتطبيق لهذه الوسيلة يجب، لدخولها حيّز التطبيق الفعلي، أن تحوز على موافقة أطراف النزاع.

وقد عرف المسلمون الوساطة (وكذلك بذل المساعي الحميدة) كوسيلة لحل المنازعات الدولية).

(1) يقترب من فكرة الوسيط فكرة «الجري: الوكيل، والرسول يقال جرى بين الجراية والجراية»، وقد جريت جريًا واستجريت الخزاعي التلمساني: كتاب الدلالات السمعية على ما كان في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم من الحرف والصنائع والعمالات الشرعية، المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، القاهرة 1415 هـ - 1995 م، ص 290). وقد استخدم الفقهاء المسلمين كلمة توسط في الشؤون الداخلية؛ من ذلك الجهشياري حيث يتحدث عن توسط محمد بن مسلم في رفع العذاب عن أهل الخراج». «توسط يحيى لرجل أموي عند الرشيد الجهشياري: كتاب الوزراء والكتاب مطبعة مصطفى البابي الحلبي، القاهرة، 1401 هـ - 1980 م، ص 142، 156، 187). ومن ذلك تقليد أحمد القشوري «السفارة والوساطة بين الناس وبين الحاكم (راجع النويري: نهاية الأرب في فنون الأدب، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 1412 هـ - 1992 م، ج 28، ص 189). وقد يتم استخدام تعبير «المشي بين المتنازعين». وهكذا في تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَإِن طَابِفَنَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ [الحجرات: 9] يقول الإمام القرطبي إن الفئتين

من المسلمين إذا اقتتلا على سبيل البغي منهما جميعًا: «فالواجب في ذلك أن يمشي

=