أحكام القانون الدولي الخاص في الفقه الإباضي أحمد أبو الوفا [دارس عن الإباضية]

الجزء الثالث

الجزء ٣ · صفحة ١٣٩

الباب الأول: الاختصاص القضائي في منازعات القانون الدولي الخاص في الفقه الإباضي

139

ولا جَرَمَ أن مثل هذه المسائل تدخل في إطار فقه الواقع، وفقه النوازل، والتي يجب - بالتالي - نظرًا لتواترها دراستها بعمق وإنزال الحكم الشرعي عليها بما يتلاءم مع طبيعتها وماهيتها.

على قبول أحكام أجنبية صادرة على رعاياها المسلمين أو الذميين عن جرائم ارتكبوها حال إقامتهم العارضة في الخارج، حيث يكون الاختصاص للتشريع الجنائي الإسلامي، بشأن معاقبة هؤلاء الرعايا وفقًا لمبدأ الشخصية الإيجابية المتفق مع رأي الجمهور المؤسس على فكرة الولاية الحكمية كما أسلفنا ولكن ليس ثمة ما يمنع من التعاون الدولي في هذا الصدد، ولكن بشرط جوهري، أشار إليه مؤتمر بوخارست لسنة 1929 م، ومن بعده مؤتمر لاهاي لسنة 1964 م، وهو ألا يكون في الحكم ما يتعارض مع النظام العام للدولة. ولما كان النظام العام للدولة ينطلق أساسًا من أصول الشريعة الإسلامية الغراء، بما فيها أصول التشريع الجنائي الإسلامي، فينبغي التفرقة هنا بين ما يتعلق من الأحكام الأجنبية المراد تنفيذها في الدولة الإسلامية بجرائم من صنف الحدود والقصاص وما يتعلق منها بنظام التعزير الإسلامي، وعلى أساس هذه التفرقة، سترى الدولة الإسلامية حتمًا أنه من الصعوبة بمكان تنفيذ حكم أجنبي صادر على مسلم أو ذمي من رعايا الدولة الإسلامية، في جريمة من صنف جرائم الحدود والقصاص لاختلاف أسس التجريم والعقاب بشأنها اختلافًا جذريًا بين كل من الدولة الأجنبية التي تعتمد على القانون الجنائي الوضعي المكتوب، والدولة الإسلامية التي تعتمد على التشريع الجنائي الإسلامي، المؤسس على كتاب الله وسُنَّة نبيه الأمين. أما إذا كان الحكم صادرًا بعقوبة ما في جريمة تعزيرية، فإن فرصة موافقة الدولة الإسلامية ستكون أكبر وأيسر لإمكان استيعاب نظام التعزير الإسلامي العقوبة المحكوم بها» د. عبد الفتاح خضر: النظام الجنائي: أسسه العامة في الاتجاهات المعاصرة والفقه الإسلامي، معهد الإدارة العامة، المملكة العربية السعودية، 1402 هـ - 1982 م، ونحن نرى أن ما ذكره صاحب الرأي السابق، لا يتحقق إلا عند تنفيذ الحكم الجنائي جنبي في دار الإسلام (وهو) فرض نادر جدا). أما في غير ذلك فإن الدولة الإسلامية لا شأن لها بالحكم الجنائي الأجنبي الصادر على مسلم ارتكب الجريمة خارج دار الإسلام. علة ذلك ما يلي:

الأجـ

6

ص

145 - 144

1 - إن الدولة غير الإسلامية ستطبق مبدأ الإقليمية وبالتالي ستحاكم الشخص وتنفذ عليه العقوبة في إقليمها. 2 - إن الجريمة المرتكبة تشكل انتهاكًا لقوانين البلد الأجنبي، ولا يمتد أثر ذلك ـ بداهة - إلى دار الإسلام. 3 - إن الدولة الإسلامية لن يمتد اختصاصها إلى مثل تلك الأفعال، لأنها تدخل في إطار قوله تعالى: {مَا لَكُم مِّن وَلَيَتِهِم مِّن شَيْءٍ حَتَّى

يُهَاجِرُوا} [الأنفال: 72].