كتاب التهذيب في الفصاحة والألفاظ (الباب الرابع: في علوم القرآن) محمد بن عامر بن راشد المعولي أبو سليمان، المشهور بـ "ابن عريق"

الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ١٤١

القسم الأول: الدراسة

141

ه ـ ومنها إعظام أجور هذه الأمة من حيث إنهم يفرغون جهدهم ليبلغوا قصدهم في تتبع معاني ذلك، واستنباط الحكم والأحكام من دلالة كل لفظ، واستخراج كمين أسراره وخفي إشاراته، وإنعامهم النظر وإمعانهم الكشف عن التوجه والتعليل والترجيح، والتفصيل بقدر ما يبلغ غاية علمهم، ويصل إليه نهاية فهمهم، والأجر على قدر المشقة.

6 ـ ومنها بيان فضل هذه الأمة وشرفها على سائر الأمم، من حيث تلقيهم هذا التلقي، وإقبالهم عليه هذا الإقبال والبحث عن لفظة لفظة، کتاب ربهم والكشف عن صيغة صيغة وبيان صوابه وبيان تصحيحه، وإتقان تجويده، حتى حموه من خلل التحريف، وحفظوه من الطغيان والتطفيف، فلم يهملوا تحريكاً ولا تسكيناً، ولا تفخيماً ولا ترقيقاً، حتى ضبطوا مقادير المدات وتفاوت الإمالات وميزوا بين الحروف بالصفات مما لم يهتد إليه فكر أمة من الأمم، ولا يوصل إليه إلا بإلهام بارئ النسم.

ـ ومنها ما ادخره الله من المنقبة العظيمة، والنعمة الجليلة الجسيمة لهذه الأمة الشريفة من إسنادها كتاب ربها واتصال هذا السبب الإلهي بسببها خصيصة الله تعالى هذه الأمة المحمدية، وإعظاماً لقدر أهل هذه الملة الحنيفية وكل قارئ يوصل حروفه بالنقل إلى أصله، ويرفع ارتياب الملحد قطعاً بوصله، فلو لم يكن من الفوائد إلا هذه الفائدة الجليلة لكفت، ولو لم يكن من الخصائص إلا هذه الخصيصة النبيلة لوفت.

8 ـ ومنها ظهور سر الله في توليه حفظ كتابه العزيز وصيانة كلامه المنزل بأوفى البيان والتمييز، فإن الله تعالى لم يُخل عصراً من الأعصار، ولو في قطر الأقطار،. من ر من إمام حجة قائم بنقل كتاب الله تعالى وإتقان حروفه ورواياته، وتصحيح وجوهه وقراءاته، يكون وجوده سبباً لوجود هذا السبب القويم على ممر الدهور، وبقاؤه دليلاً على بقاء القرآن العظيم في المصاحف والصدور.