الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٤٢42
كتاب التهذيب في الفصاحة والألفاظ (الجزء الأول)
الخلق في إعمال عقولهم وأذهانهم في مدلول آياته ليظهر بذلك مقدار تفاضلهم في الاستنباط للأحكام الشرعيَّة، وقال: «لو كان القرآن كله محكماً لا يحتمل التأويل، ولا يمكن الاختلاف فيه لسقطت المحنة فيه، وتبلدت العقول وبطل التفاضل والاجتهاد في السبق إلى الفضل، واستوت منازل العباد» (1).
وتعرض ابن بركة أيضاً للحكمة من تكرار الألفاظ وسرد القصص، كقصة موسى وقصة عيسى، وقصة نوح - عليهم وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام ـ وغيرهم من الأنبياء لأخذ العظة والعبرة منها، وزيادة في الإفهام والإنذار، وأما من حيث تكرار الألفاظ الواحدة في القرآن الكريم كقوله تعالى أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى. ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى (2)، وقوله تعالى: {كَلاً سَوْفَ تَعْلَمُونَ. ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ) (3)، وغيرها من الآيات القرآنية، فقد علل ابن بركة ذلك بأن القرآن نزل على لغة العرب، ومن مذاهبهم في التخاطب التكرار في بعض مقامات الخطاب لإرادة التأكيد والإفهام (4).
(2)
ويرى ابن بركة أنَّ النسخ يقع في القرآن الكريم، ولذا فهو يورد في أول كتابه أمثلة عديدة على وقوع النسخ في القرآن الكريم، ويقع النسخ عنده في الأوامر والنواهي والأخبار التي معناها الأمر أو النهي، أما الأخبار التي لم ترد مورد التكليف أمراً أو نهياً فلا لأن ذلك يستلزم إسناد صفة نسخها؛ الكذب على الله - تعالى الله عن ذلك علواً كبيرا ـ وقد وقع النسخ عنده على
نوعين، هما:
(1) المصدر نفسه، ج 56/ 1.
(2) القيامة: 34 35.
(3) التكاثر: 3، 4.
(4) كتاب الجامع لابن بركة ج 79/ 1.
يصح