الجزء السادس
الجزء ٦ · صفحة ٢٩٨297
عدم العدل بينهن محمول على العدل فيما لا تستطيعه الطاقة البشرية، وهو ما عُرف من عادة الناس أنهم لا تتساوى عاطفتهم القلبية بين أزواجهم.
وذلك أمرٌ فِطري غير مستطاع دفعُه، لذلك عفا الله عنه بقوله تعالى: {وَلَن تَسْتَطِيعُوا أَن تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاء وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلاَ تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ النساء (129)، على أنك تجد الفارق واضحًا والبون شاسعًا بين خوف الحيف بين النساء الذي عُلّقَ على عدمه جواز تعددهن وبين وجود الطول الذي شرط عدمه في جواز نكاح الإماء مع خوف العنت.
فإنَّ خوف العجز عن العدل لا يعدو كونه أمرا توقعيًّا، ووجود الطول واستشعار الأمن من العنت كلاهما أمر واقع، وما أسْحَقَ الهُوَّةَ بين الواقع والمتوقع، فقد لا يقع المتوقع، وهل الواقع إلا واقع.
ولا يرد علينا أنَّ الأمر بالاقتصار على واحدة معلق على خوف عدم العدل لا على وقوعه؛ لأن الخوف هاهنا غير مقصود لذاته في الحكم، وغير محذور في الأمر،
وإنما غاية ما في الآية تحذير المسلم من التعرض لما قد لا يفي بواجباته.
وإلا فالخوف من ترك العدالة أمر، وتركها أمر آخر، وليس أحدهما لازما للآخر ولا ملزوما له.
فإنه قد يعدل الزوج مع خوفه من ترك العدل، وقد يحيف مع أمنه من الحيف. وبما قررناه هنا يتجلى ضعفُ قول من ألغى الشرطين في جواز نكاح الإماء أو أحدهما، وصحة قول من التزمهما، وهو قول جابر بن عبد الله وابن عباس وعطاء وطاووس ومكحول والزهري، وبه قال الشافعي وأبو ثور وأحمد وإسحاق، واختاره ابن المنذر وغيره، وهو مذهب مالك في "المدونة" من رواية ابن نافع وابن القاسم وابن وهب وابن زياد، وقاله أصبغ من أصحابه ومطرف وابن الماجشون