الجزء الثامن
الجزء ٨ · صفحة ١٢٩128
وإنما يصير الفعل طاعة أو معصية إذا انضافت إليه النية، بدليل قوله مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ و قول الله عز وجل: وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً
-
وَيَتِيماً وَأَسِيراً إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ الإنسان (8) (9)، فقد مدحهم الله تعالى بإنفاقهم أموالهم إذا كانت المقاصد الله عز وجل، وفي قوله عل: وَالَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاء النَّاسِ) (النساء: 38)، ذمهم بالإنفاق لقصدهم الفاسد؛ لأنهم لم يقصدوا بإنفاقهم الله جل ذكره، وقد استوى الإنفاق في ظاهر الأمر، فهذا منفق وذلك منفق، حصل أحدهما طائعاً بالإخلاص والقصد إلى الله عز وجل، والآخر عاصيا لتعريه من هذا الحال مع تساويهما في الإنفاق
وأيضا فإن الإنسان لو أصبح غير ناوٍ للصوم، واشتغل عن الأكل والشرب والمنكح حتى غربت الشمس لم يستحق اسم الصائم، ولا يسمى مطيعاً لأنه تعرى مع الإمساك من النية، وما أتاه فهو صورة الصوم، ولو تقدم هذا الإمساك نية من الليل لسمي مطيعا، واستحق اسم صائم، وإذا كان هكذا فقد صح أن هيئة الفعل وصورته لا تدل على طاعة ولا معصية، وقد قال الله تبارك وتعالى: {لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً)، فالإنسان إذا لم يعمل ما أمر به بقصد واختيار لم يسم مطيعاً، وإنما يسمى المطيع مطيعاً أن يرقب أمر المطاع فيأتيه امتثالاً لأمره فحينئذ يستحق
اسم مطيع.
153
153 - ببعض تصرف: محمد بن إبراهيم الكندي بيان الشرع 62/ 8، وجامع ابن بركة ج 1 ص: 182،
بعنوان: مسألة في إيجاب النية.