الجزء الثامن
الجزء ٨ · صفحة ٥٤٣542
هلاك الأمم مسافة بعيدة، والنظر في آثار الهالكين لا يمكن قبل وصولهم إليها، أو ثم لتراخى الرتبة إذ رتبة النظر لوجوبها متراخية من رتبة التجارة ونحوها من المباحات، ولا يعدون زيارة الرحم عبادة لشركهم أو سيروا وجوباً لقصد النظر، ثم انظروا إذا وصلتم، ورأيتم فثم لتفاوت ما بين الواجبين والسير وجب لترتب النظر عليه، وللوسائل حكم المقاصد والنظر أوجب منه لأنه ذاتي والسير للنظر وسيلة، وذلك كما وجب إعداد الدلو لمن لا يجد الماء للوضوء مثلا إلا به، ويجوز أن تكون ثم لمطلق الجمع كالواو، وأما قوله تعالى: قل سيروا في الأرض فانظروا} فالسير فيه لأجل النظر بدليل فاء السببية فهي دليل فلا تحكم في جعل السير فيه للإيجاب وفى المقام للإباحة، وعلى كل حال نهاهم عن سير الغافلين عن النظر، وأمرهم بتعرف أحوال الأمم الهلكى، والنظر نظر عين ليوصل إلى نظر القلب، أو المراد نظر القلب.
وقال في سورة فاطر" تعقيبا على سلوك الكافرين المعاندين: أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَكَانُوَا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَمَا كَانَ اللَّهُ
لِيُعْجِزَهُ مِن شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنّهُ كَانَ عَلِيماً قَدِيراً) (فاطر: 44).
بعد قوله: {وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِن جَاءَهُمْ نَذِيرٌ لَّيَكُونُنَّ أَهْدَيَ مِنْ إِحْدَى الأُمَمِ فَلَمّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ مَا زَادَهُمْ إِلا نُفُوراً (42) اسْتِكْبَاراً فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السّيءِ وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السّيءُ إِلَّا بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا سُنّةَ الْأَوَّلِينَ فَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً وَلَن تَجِدَ لِسُنّةِ اللهِ تَحْوِيلاً (فاطر (43 أعقب ذلك الحث على السير في
648 - تيسير التفسير للقطب امحمد اطفيش (392/ 2)