الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٥٤تطبيقات القواعد الفقهية
52
فأَمَّا النَّوعُ الأَوَّلِ: فَهو مَعْرِفَة ما أَوَجَبَ رَبُّنا تَعَالَى عَلَى خَلقه أَن يَعرفوه من التَّشَهد بكلمة التوحيدِ، وما أشبه ذَلِكَ منَ الأَسْمَاء والصفات، وكالعبادات البدنية التي قد ضاقَ وَقتها وقَد قَامَت عَلَى الْمُكَلِّفِ حُجَّة، فَرضِيَّها، لَكِن لَمْ يَعلَم كَيفيَّة أدائها، وكَارتكاب الْمُحَرَّمَاتِ بَعْدَ قِيَامِ الْحُجَّةِ بوُجُوب تَركهَا، فَهذه الأَشْيَاء وَمَا أَشبهها يَضِيقُ عَلَى الْمُكَلَّفِ جَهْلُها، وتقومُ عَلَيْهِ الْحُجَّةُ بعلمهَا مِن جَمِيعِ المعبّرين، سواء كانَ المعبّر ثقَة أَو غَير ثقة، مُسْلِمًا أَو غَير مُسلِم إِذَا عبَّر لَه الْحَقَّ فِي ذَلِكَ؛ لأَنَّ الْحَقِّ هو الْحُجَّةُ، وقَد أجراه الله عَلَى لسانِه حَتَّى قِيلَ: " إِنَّه
تقومُ الْحُجَّة من لسان طائر."
وَكَذَا إِذَا رَأَىهِ مَكتوبا في حائطٍ فَفهم معناه، أو رآه في المنامِ فَعرَف وجه ذَلِكَ؛ لأَنَّ الْحَقَّ إِنَّمَا يَكُونُ حجَّة بنفسِه فيَجِبُ عَلَى الْمُكَلَّف به قبولُه.
وقيل: إِنَّ الْحُجَّةَ في العباداتِ المؤقتة لا تقومُ إِلا مِن ثِقَة، فَلا تَقُومُ الْحُجَّةِ بعِبَارَة المشركِ والفاسقِ، لِقَولِهِ تَعَالَى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأَ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ" قَالُوا: فَالأَمْرُ بالتبيُّن مع خَبَر الفاسِقِ دَلِيل عَلَى أَنَّهُ لَا يَكُون
حجة.
وهَذَا الخلافُ لا يتناولُ الأُمُورَ التي أوَجَبَ الله اعتقادهَا؛ لأَنَّهُمْ إِنَّمَا اختَلَفُوا فِي غَير
1 - هذا كله مع ضيق الوقت وعدم وجود المعبر الثقة أمَّا مع السعة فلا يلزم المكلف إلا قول الثقة العدل وهنا تدخل قاعدة " إذا ضاق الأمر اتسع وإذا اتسع ضاق" وانظر التعليق السابق.