الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٥٧تطبيقات القواعد الفقهية
ثُمَّ إِنَّ إِرسالَ مَن كان عَلَى هَذَا الحالِ بَعيد جدًّا؛ لأَنَّهُمْ إن جَاءوا مُجتمعين يحتمل اتِّفَاقهم عَلَى الكذبِ فِي الْعَادَة، وإِن جَاءُوا مُتَفَرِّقين فالواحدُ مِنْهُمْ مُخبر بخبر واحد، ثُمَّ لَمْ يَكن رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يُرسل إِلَى الآفاقِ رَسُولاً بَعْدِ رَسُولٍ، وَهَذَا كَمَا تَرِى يَدُلُّ عَلَى ثبوتِ الْقَوْل بأنَّ العَالِم الواحدَ حُجَّة فِيمَا يَسَعُ جَهْلُه.
وفي قول خامِس: إِنَّ الْحُجَّةَ لا تَقُومُ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ بِقَول أحدٍ من المعبّرين حَتَّى يَعلمه هو كعلمِ العَالِم به، وينشرح له صدرُه، ويتَّضح له صوابه فحِينَئِذٍ يَكُونُ عِلمُه حُجَّة عَلَيْهِ، وَأَمَّا قَبْلَ ذَلِكَ فَيَسَعُه جَهْلُه به وشكه فيه، ولا يَنقطعُ عُذرُه مَا لَمْ يَعلَمهُ كَعِلم العُلَمَاء به، وهَذَا إِنَّمَا يتأتَّى فِي الأَشيَاءِ المستنبطة، والأَحْكَامِ المستخرجة، ولا يتأَنَّى فِي الْعُلُومِ المنقولة عن الشارع الهادِي صلوات الله وسلامه، وَهُوَ ظَاهِر الصواب في ذلك الباب.
وَأَمَّا الأَشْيَاءُ التي لا تَكُون من باب الاستنباط والاستخراج فقول العَالِم فِيهَا حُجَّة؛ إِذَا كَانَ مشهورَ الفَضْلِ والعدلِ عَلَى مَن شُهر مَعه عِلمُه وفَضْلُه، وفاقًا لأَبِي سَعِيد
والْحُجَّةُ لنا عَلَى ذَلِكَ قَولُهُ تَعَالَى:" إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ"، فذكر - سبحانه وتعالى - لنبيّه أَنَّهُ مُنذر وأنَّ لِكُلِ قومٍ هادِيا، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الهَادِي حُجَّةً مِمَّن كانَ حَيْثُ مَا كَانَ إِذَا كان من أَهْلِ الهداية. اها
1 - المعارج 1/ 201 - 203. وانظر المعتبر لأبي سعيد الكدمي ج 3 ص 91 الكلام على الأخذ بخبر الواحد.