تطبيقات القواعد الفقهية زهران بن ناصر بن سالم البراشدي

الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ٥٦

تطبيقات القواعد الفقهية

والفرقُ فِي ذَلِكَ ظاهر؛ لأَنَّ الشهادةَ في الحقوقِ مِن الأَحْكَام المخصوصة، والعبادات عَلَى خلافِ ذَلِكَ.

وَفي قولٍ ثَالث: إِنَّ الْحُجَّةَ لَا تَقُومُ فِي ذَلِكَ إِلا بقولِ أَربعة، ولعلَّ هَؤُلاء قاسُوا الْحُجَّةَ فِي ذَلِكَ عَلَى شهودِ الزنا، وكأنَّ وجه القياسِ عِندَهم أَنَّ الْأَحْكَامِ التِي يَسَعُ الْمُكَلَّف جَهْلُها كَثِيرة، ومن جُملتِها حدُّ الزاني عَلَى زنّاه، وحده مُتوقِف عَلَى الإقرار أو شهادةِ الأربعة، فلو لزمنا قبولُ العلم أقل من أربعة لزمنا قبول إقامة الحدِّ عَلَى الزانِي مِن أقل من أربعة، والربُّ تَعَالَى اعتبر شهادة الأربعَة فِي هَذَا الْمَعْنَى.

وبَيْنَ قبولِ الْعِلْم في الحدودِ وبَيْنَ وُجُوبِ إقامتها فَرقٌ لا يخفى عَلَى ناظر بعين الصواب، والله أعلم.

وفي قول رابع: إِنَّ الْحُجَّةَ فِي ذَلِكَ لا تَقُومُ إِلا بِمن تَقُومُ به حُجَّة الشهرة، ولا يَجُوزُ عَلَهم الغلط من الْخَمْسَة إِلَى العَشرَةِ، وكَأَنَّ هَؤُلاء لَمْ يَروا ثُبوت الْعِلْمِ لازمًا إِلا من طَرِيق التواتر، وكَأَنَّهُمْ لا يُوجِبُون قبول خَبر الآحادِ.

ولا يخفى أَنَّ السَّلَفَ من الصَّحَابَة والتَّابِعِين ومَن بَعْدهم كَانُوا يقبلون خَبر الآحادِ، وقد كانَ رَسُول الله لا يُرسل أحادَ الرجال إلى أطرافِ الْأَرْضِ يُعلِّمُونَهم شرائعَ الإسلام، وفيها ما هو لازم لهم في حالهم ذَلِكَ، وَفها ما لَمْ يَلْزَمُهُم بَعْد، فلو لَمْ يَكن في ذَلِكَ حُجَّةَ إِلا من كَانُوا بِحدِ الشهرَة لأرسلَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم إِلَى الْآفَاقِ عَددا لا يَجُوزُ عَلَيهِم التواطؤ عَلَى الخطأ.