الجزء التاسع
الجزء ٩ · صفحة ١٨٣182
قال الباحث: وهل كان أبو هريرة يأمر من فسد عليه صومه في رمضان بالأكل والشرب وغيره من المفطرات في نهار رمضان وينتهك حرمة الصوم؟!! حاشاه عن ذلك، ولا يقول بذلك عاقل، كيف وأبو هريرة الله من أجل وأتقى وأورع صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد اختلط الايمان بلحمه ودمه، وليس في جميع الروايات التي تنسب إلى المعصوم دليل على الاصباح جنبا في رمضان؛ مع ما يكتنفها من ضعف ووهن وشُبَهِ عظيمة لا شبهة واحدة كما سيتبين لك ذلك بإذن الله تعالى. والظاهر أنَّ قول السيدة عائشة: "كان المنادي ينادي بالصلاة في الحديث سالف الذكر -إن صح- الأذان الأول، أذان بلال فإنه كان يؤذن بليل، وبدليل ما بعده وهو قولها: "فأرى حدر الماء بين كتفيه ثم يصلي" وإلا فمتى اغتسل، ومتى استعد للصلاة، ومتى خرج ليصلي بالناس؟ هذا أمر لا بد منه، ويحتاج إلى وقت، ورسول الله له منزه عن التهاون، وعن الاشتغال بملذات الدنيا. وهل كان يتهاون في عبادة ربه؟! حاشاه عن ذلك، وما كان إلا وهو في أعالي الأمور وأنزهها وأقربها إلى ربه خشية ومراقبة وخوفا وطاعة، بل وصفه بالتهاون وإصباحه جنبا وهو صائم، واشتغاله بالمعاشرة عن الصيام وواجباته في رمضان، وعن المبادرة للصلاة والطهارة من الحدث الأكبر، قدح فيه وفي نبوته وشريعته، حاشاه عن ذلك وقد عصمه الله، ونزّهه وحماه وطهره من كل كدر ووقاه من كل مكروه، وعلى سائر خلقه اختاره واصطفاه. ومن جهة أخرى فالحديث المذكور فيه الأمر بالإفطار - إن صح وهو بعيد كل البعد-، محمول على النفل؛ لأن "المتنفل أمير نفسه إن شاء صام وإن شاء أفطر " كما ورد في الحديث؛ فقد أخرج الترمذي في سننه 3/ 100 ح 732، من حديث أمّ هانئ بلفظ: " الصائم المتطوع أمير نفسه إن شاء صام وإن شاء أفطر" والحاكم في المستدرك ح 1599 و 1600 وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وتلك الأخبار المعارضة لهذا لم يصح منها شيء. ووافقه الذهبي. وأخرجه الطيالسي ح 1618، وأحمد ح 26937، والبيهقى ح 8131. والدارقطني 2/ 175 ح 9 و 14 والديلمي ح 3829. وللحديث ألفاظ أخرى قريبة من هذا متفقة في المعنى، منها ما أخرجه النسائي في السنن الكبرى 249/ 2 - 3203 عن أم هانئ أنَّ رسول الله الله دخل عليها يوم الفتح فأُتي بإناء فشرب ثم ناولني فقلت: إني صائمة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم المتطوع أمير نفسه فإن شئت فصومي وإن شئتِ فأفطري" وفي لفظ "أمينُ نَفْسِهِ" وفي رواية عن أم هانئ قالت: "لما كان يوم الفتح - فتح مكة - جاءت فاطمة، فجلست على يسار رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأم هانئ عن يمينه، قال: فجاءت الوليدة بإناء فيه، شراب، فناولته، فشرب منه، ثم ناوله أم هانئ فشربت منه، فقالت: يا رسول الله، لقد أفطرتُ وكنت صائمة، فقال لها: أكنت تقضينَ شيئا؟ قالت: