الجزء التاسع
الجزء ٩ · صفحة ٣٠٤303
وعند مسلم من طريق إسحاق عن أنس فقال الصحابة مهُ مَه. فقال رسول الله "اتركوه" وذلك لئلا يؤدّي قطع البول إلى ضرر كبير يحصل له وقد يغلبه قبل الخروج من المسجد فيؤدي إلى انتشار النجاسة فيه، وتنجيس مكان واحد أخفُ من تنجيس أماكن، وأيضا قد يغلبه فيخرج في ثيابه فيؤدي إلى تنجيسها وتنجيس بدنه وتطاير الشرر إلى غيره ممن بالمسجد. وفي الحديث دليل على أنَّ الضرر الأشدَّ يدرأُ بالأخَفٌ؛ لما تقدم أنَّه لو أُرغم على قطع البول والخروج، لأدَّى إلى ما هو أعظم ضررا؛ وهو تنجيس باقي المسجد أثناء خروجه، بدءا من مكانه مرورا ببقيَّة المسجد حتى يخرج منه، وتنجيس سائر بدنه وملابسه وإضرار نفسه في قطع البول الخ.
وغَسْلُ موقع البول أخف ضررا مما ذكرناه فليتأمل ذلك بإمعان.
وفيه الرفقُ في إنكار المنكر وتعليم الجاهل واستعمال التيسير وإنكار التعسير، وفيه دفع أعظم الضررين باحتمال أخفهما، وفيه الرفقُ بالجاهل وتعليمه ما يلزمه من غير تعنيف ولا إيذاء إذا لم يأت بالمخالفة استخفافا أو عنادا.
وذلك أن الأعرابي لم يعهد المساجد ولا عرف ما لها من حرمة لا سيما وأنه قريب عهد بالإسلام ولم تعلم منه الاستهانة بالدين فالواجب تعليمه حتى يتمكن الاسلام من قلبه، فلو أخذ بالشدة خيف عليه وقوع ما هو أعظم كالنفرة من الاسلام واستثقال أوامره واستصعاب ترك نواهيه، فيؤدي إلى الارتداد والعياذ بالله، وهو أشد ضررا مما أنكر عليه. وفيه درس عملي في سياسة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وفيه معرفة طبيعة البشر، واختلاف العادات في البادية والحاضرة، ومراعاة الرسول النفسيات البشر، ووضع كل فيما يناسبه.