الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٣٨٣تطبيقات القواعد الفقهية
381
كيفية ثبوت السرقة
تَثْبُتُ السَّرِقَةُ بعدة طرق: أولا: بِإِقْرَارِ السَّارِقِ إِذَا كَانَ مُكَلَّفًا بِأَنْ كَانَ بَالِغَا عَاقِلًا، عَلَى التَّفْصِيلِ الَّذِي سَبَقَ وَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ السَّارِقَ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مُخْتَارًا فِي إِقْرَارِهِ، فَإِنْ أُكْرِهَ عَلَى الْإِقْرَارِ بِحَبْسٍ أَوْ ضَرْبٍ أَوْ نَحْوِهِمَا، فَلَا يُعْتَدُّ بِهَذَا الْإِقْرَارِ. وَقَدْ أَفْتَى بَعْضُ مُتَأَخِرِي الْحَنَفِيَّةِ بِصِحَّةِ إِقْرَارِ السَّارِقِ مَعَ الْإِكْرَاهِ لِأَنَّ السُّرَّاقَ قَدْ غَدَوْا لَا يُقِرُّونَ طَائِعِينَ. وَذَهَبَ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ إِلَى أَنَّهُ يُعْمَلُ بِإِقْرَارِ الْمُهَمِ مَعَ الْإِكْرَاهِ إِنْ ثَبَتَ عِنْدَ الْحَاكِمِ أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ التُّهم.
وَقَدْ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي عَدَدِ مَرَّاتِ الْإِقْرَارِ الَّتِي تُوجِبُ إقَامَةَ حَدِّ السَّرِقَةِ: فَالْحَنَفِيَّةُ - مَا عَدَا أَبَا يُوسُفَ - وَمَالِكُ فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ، وَالشَّافِعِيَّةُ وَعَطَاءٌن وَالثَّوْرِيُّ، يَكْتَفُونَ بِإِقْرَارِ السَّارِقِ مَرَّةً وَاحِدَةً لِأَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَطَعَ سَارِقَ خَمِيصَةِ صَفْوَانَ وَسَارِقَ المجَنِّ، وَلَمْ يُنْقَلْ أَنَّ أَحَدَهُمَا تَكَرَّرَ مِنْهُ الْإِقْرَارُ؛ وَلِأَنَّ الْإِقْرَارَ بِالْحُقُوقِ يَكْتَفى بِإِيرَادِهِ مَرَّةً وَاحِدَةً؛ وَلِأَنَّ الْإِقْرَارَ إِخْبَارٌ تَرَجَّحَ فِيهِ جَانِبُ الصِّدْقِ عَلَى جَانِبِ الْكَذِبِ، فَلَنْ يَزِيدَهُ التَّكْرَارُ رُجْحَانًا أَمَّا أَبُو يُوسُفَ وَزُفَرُ، وَمَالِكٌ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى، وَالْحَنَابِلَةُ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى، وَابْنُ شُبْرُمَةَ، فَإِنَّهُمْ يُوجِبُونَ صُدُورَ الْإِقْرَارِ مَرَّتَيْنِ، فِي مَجْلِسَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ، فَإِنْ أَقَرَّ السَّارِقُ مَرَّةً وَاحِدَةً، لَا يُقَامُ عَلَيْهِ الْحَدُّ، وَإِنَّمَا يُعَزِّرُ وَيَجِبُ عَلَيْهِ الضَّمَانُ. لأَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم أُتِيَ بِلِصَ قَدْ اعْتَرَفَ، وَلَمْ يُوجَدْ مَعَهُ مَتَاعٌ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ: مَا أَخَالُك