الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٤٥٨تطبيقات القواعد الفقهية
وكما قلت سابقا: إنَّ حكم أولئك الأئمة العدول بتغريق تلك الأموال لاستغراقها في الجنايات والمظالم، وباتفاق كان من العلماء، على أن تُرَدَّ هذه الأموال لأهلها إنْ صح ذلك بالبينة العادلة، فمن صح له مال معيَّن رد إليه، وما جهل ربه فمرده بيت مال المسلمين يتصرف فيه الإمام في مصالح المسلمين والذب عن حرماتهم، وهو ما تنص عليه تلك الأحكام بصريح العبارة، أما أنْ يصادر مال خاص لإنسان معيَّن من غير حق شرعي عليه يستوجب ذلك فلا يصح. فليتأمل.
وقد تقدم ما أخرج البيهقي في السنن الكبرى من طريق يَحْيَى بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَاطِبٍ قَالَ: أَصَابَ غِلْمَانُ لِحَاطِبِ بْنِ أَبِي بَلْتَعَةَ بِالْعَالِيَةِ نَاقَةً لِرَجُلٍ مِنْ مُزَيْنَةَ فَانْتَحَرُوهَا وَاعْتَرَفُوا بِهَا فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ عُمَرُ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ وَقَالَ: هَؤُلَاءِ أَعْبُدُكَ قَدْ سَرَقُوا انْتَحَرُوا نَاقَةَ رَجُلٍ مِنْ مُزَيْنَةَ وَاعْتَرَفُوا بِهَا فَأَمر كَثِيرَ بْنَ الصَّلْتِ أَنْ يَقْطَعَ أَيْدِيَهُمْ ثُمَّ أَرْسَلَ إِليه بَعْدَ مَا ذَهَبَ فَدَعَاهُ وَقَالَ: لَوْلاَ أَنِّي أَظُنُّ أَنَّكُمْ تُجِيعُونَهُمْ حَتَّى إِنَّ أَحَدَهُمْ أَتَى مَا حَرَّمَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لَقَطَعْتُ أَيْدِيَهُمْ وَلَكِنْ وَاللَّهِ لَئِنْ تَرَكْتَهُمْ لِأُغَرِّمَنَّكَ فِيهِمْ غَرَامَةً تُوجِعُكَ. فَقَالَ: كَمْ ثَمَنُها لِلْمُزَنِي؟ قَالَ: كُنْتُ أَمْنَعُهَا مِنْ أَرْبَعِمِائَةٍ فَقَالَ: فَأَعْطِهِ ثَمَانَمِائَةٍ. وأنَّ حكم عمر له يشمل ثلاثة أحكام:
الأول: درء الحد عن الأعبد الذين سرقوا؛ اعتبارا لقرينة الجوع. فهي شبهة قوية يدرأ بها الحد لما تقدم من أدلة توجب درء الحد بالشبهة.
1 - البيهقي في السنن الكبرى. ط المعارف بالهند 278/ 8) ح 17749