الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ١٨٥وما أشبه المثل بالواقع الذي نعيشه فإن جسد الأمة تتكدس فيه يوما
بعد يوم ركامات من الأمراض، وتَحِل بساحته قضايا خطيرة بل رزايا مهلكة ثم تُعزز هذه الأمراض بالقوانين والتشريعات المجهولة الهوية والمصدر - إن صح التعبير - ومما يزيدُ الأمر سوءًا أنَّ هناك انفصاما واضحاً لشخصية المجتمع المسلم الذي ظنَّ أنَّ الدين صلاة وصوم وزكاة وحج فقط لا غير، فيرى المناكر ولا يتألم، ويسمعُ الفواحش ولا ينتفض وتتلى عليه القوانين الفاسدة فيُسلِّمُ، وترى جهلا مركبًا في الجيل بالواقع الذي يعيشه، فأفقُ الجيل تحت قدميه ومبلغ علمه أكل وشرب وطلعة ومنام فحاله وقاله:
إذا تغديت وطابت نفسي فليس في الحي غلام مثلي إلا غلام قد تغدى قبلي
وترى إيثارا للمصالح والمنافع الشخصية والتعلق بالمنصب على حساب المبادئ والأخلاق، وترى السؤال عن الترقيات والعلاوات على حساب قضايا القيم والثوابت، وهكذا حالنا في منتهى الخزي، شأنُ مَن لا يؤمنُ بنبي ولا بكتاب، ولا يرجو معادًا ولا يخشى حسابا، وترى حبا للحياة وكراهةً للموتِ، دأبُ مَن يَعدُّ الحياة الدنيا رأس بضاعته ومنتهى أمله ومبلغ علمه؛ وترى افتتائًا بالزخارف والمظاهر الجوفاء كالأمم المادية التي ليس عندها أخلاق ولا حقيقة حية، وترى خضوعًا للإنسان واستكانة للملوك والأمراء ورجال الحكومة والمناصب وتقديسهم كشأن الأمم الوثنية وعبدة الأصنام، فهذا كسبُنا وعقوبات الله في نقص الأمطار، وعدم البركة في الأعمار، وانتشار الجرائم والرذائل تتعقبنا
28
(1)
إِنَّ اللهَ لَا يُفَيّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ (1) وَمَا أَصَبَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ (
فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَن كَثِيرٍ "
(1) سورة الرعد الآية: 11. (2) سورة الشورى الآية: 13.
184