الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٢١٢المنقحة المسكينة الخطة المنبرية
و
حتى دخل أغلب المجاهدين، والعجوز أمُّ الغلام طال انتظارها، والشمس تكويها، فأمسكت واحدًا مِنَ الصحابة القادمين، ثم قالت له: أتعرفُ ولدي: اسمه كذا ومواصفاته كذا، فرد عليها ذلك الصحابي: لقد قُتِلَ ولدك، فتذكرتِ الجنةَ وما أعدَّه الله للشهداء، وقالت لذلك الصحابي شهيد ولدي بحمدِ لله، فردَّ عليها ما أظنُّه شهيدًا، فقالت العجوز: لِمَ؟ ما قتله الكفار، قال لها: لا. قالت: ما قُتِلَ وهو يُقاتل بين المسلمين والكفار؟ قالَ: لا. فقالت له: أمَا كانَ يقاتلُ مع النبي () قال: لا. فقالت له والهم يتدفق عليها من كل مكان من كلام ذلك الصحابي -: كيف قُتِل؟ فقالَ لها: إن ولدَكِ قُتِلَ قبل أن تبدأ المعركة أصلا، والذي قتله رجلٌ مِنَ المسلمين، فكيف يكون شهيدًا في المعركة ولم يحضر شيئا مِنَ القتال!!
أحباب رسول الله (صلى الله عليه وسلم) استغفروا ربكم فقد كان نبيكم () يستغفرُ في اليوم سبعين مرةً.
***
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أما
بعد:
فأيُّها الأحبةُ في الله
وهكذا زادَ قلب المرأة العجوز غم وكمد، وقالت لذلك الصحابي، أين رسولُ الله (صلى الله عليه وسلم) فقال لها: هو ذاك مقبل، فتحركت العجوز الثكلى تَجرُّ خطاها الضعيفة إلى الحضرة النبوية، والدموع تجري على خديها، وليس يجري مِنَ العين ماؤُها ولكنها أنفس تسيلُ فتقطر، فلما وقفت بين يدي النبي (صلى الله عليه وسلم) نظر إليها بالرحمة التي قسمها على العالم فوسعتهم، وصدق
107
الله القائلُ في حقه: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَلَمِينَ)) فقال لها رسولُ الله: مَن؟ فقالت له: أنا أمُّ الغلام، وأخبرته عن اسمه فعرفها، فقال لها
(1) سورة الأنبياء الآية: 107.
211