النفحات المسكية من الخطب المنبرية محمد بن عبد الله بن سعيد السيفي

الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ٢١١

المنقحة المسكنة الخطة المنبرية

يحضر أولُهم، ثم اجتمعوا حتى حضَرَ آخرُهم، وقبل أن يبدأ القتالُ أصابَ الغلام عطش فأراد أن يروي عطشه ليكون بكامل قوتِهِ في المعركة، فوضع يديه في الماء، فلمَّا أراد أن يَبُل عطشه إذا بصحابي كان يحرس الماء خوفا أن يأتي أحد الكفار فيؤذي المسلمين أو ينالَ مِنَ الماء شيئا.

أيُّها الأحبةُ أتدرون ماذا حدث من القدر المقدور عندَ الله تعالى لهذا الغلام ظنَّ الصحابي الحارس للماء أنَّ الغَلامَ واحَدٌ مِنَ الكفار، فقال: أعوذُ بالله، هذا الكافر يريدُ أن يُفسد علينا الماء، فأخذَ سهما ثم وضَعَه في كبد القوس وأطلقه بقوة على الغلام، فوقع في نحره، فصاحَ الغلامُ مِن حر ما وجد فصاح بالناس بصوت مبحوح: أغيثوني، ولا يكاد يستطيع الكلام، فلم يغثه أحد إذ ظنوه كافرًا، والمعركة بدأت تتصاعد حرارتها، فحاول الغلامُ

إخراج السهم إلا أنَّه تقطع في جسده، حتى سبح بدماءهِ ففارق الدنيا

فلما خرجت روحه ذهب الحارس ينظرُ إليه عن قرب، فتبين له أنَّه غلام خرجَ مع المسلمين، فرتاعَ مِن مقتلهِ وتأسف وخافَ إنزال العقوبةِ مِنَ النبي () بما صنعه، فذهب مباشرة إلى النبي () فأخبره بما حدث، وأنه ظنَّه واحدًا مِنَ الكفار، فعفا عنه النبي (صلى الله عليه وسلم).

و

وبعد نهاية المعركة رجع الجيش إلى المدينة المنورة، وأقبلت جموعُ المسلمين ترحب بالمجاهدين، وخرجت النساء والأطفال والعجائز ينتظرون عند مداخل المدينة في حر الشمس وحر الرمضاء، النساء تنتظرُ أزواجها، والأطفال ينتظرون آباءهم، والعجائز تنتظرُ أولادها، وكانت من بين هؤلاء الجموع التي تنتظرُ أحبابها العجوز الثكلى أمُّ الغلام.

إخوة العقيدة

تابعوا ما جرى، ونحن الآن بشعورنا وحواسنا لهذه القصة العجيبة، فقد دخل المسلمون المدينة، والأطفال يتسابقون إلى آباءهم، والنساء تسُرعُ إلى أزواجها، والعجائز تسرعُ إلى أولادها، وأمُّ الغلام تنتظرُ ولدها

210