الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٥٦النفخة المسكنة
الخطبة الثامنة
مع الإجازة الصيفية
رائة الرحمن الرحيم
الحمد لله المرتفع عن رؤية الأبصار الناظرة المنزه عن التخيلات والأوهام الخاطرة، العالم تحتَ أمواج البحار الزاخرة كعلمه بحركات خلقه الظاهرة، الذي أحيا القلوب بالأوقاتِ العامرة وتلاوة السور البينة الظاهرة، فأقام بها النفوس الحائرة، أحمده على نعمه وآلائه المتواترة وآياته الباهرة المتظاهرة، حمدًا أدفعُ به حلول كل فاقرة، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة صادرة عن طوية غير مرتابة ولا فاترة، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله المبعوث بالآياتِ الظاهرة والمفضل بالمقاماتِ الفاخرة، اللهم فصل وسلم على سيدنا محمدٍ وعلى آله وعترته الطاهرة، وعلى أصحابه الأنجم الزاهرة؛ أما بعد:
فيا أيُّها الناسُ
إنَّ سبيل العافية عافية لقلةِ سُلاكِها، وإنَّ عِللَ القلوب القاسية مؤذنةٌ بهلاكها، وإن حلل الذنوب والمعاصي بادية على سُوقةِ الأمة وأملاكها، وإن رُسل الفناء قانصةٌ لا تُفَلَتُ أحدًا من شباكها، فكأن قد سلكت بكم الآمالُ
و
في عرصات الدنيا سبيل الخيبة وهتكت منكم المنون ستور الهيبة، فصيرت المنازل خالية والحلائل بالية والمتحرك ساكنا والمقيم ظاعنا؛ فأحيلوا - رحمكم الله - النظر، ما صنع الدهرُ بالأمم الماضيةِ؟ أين المعاقل المنيعة والمنازلُ الرفيعةُ؟ وأين مَن أطال الأمل؟ أين نوح وقومه؟ وأين عاد وثمود؟ أين فرعون وهامان؟ بل أين أجدادكم؟ أمطرتهم - والله - مِنَ الشتاتِ سحب همع، وأحامت عليهم من الأوقات طير وقع، وعصفت عليهم من المماتِ ريح زعزع، وابتلعتهم الفلاة البلقعُ، فهم تحت كلاكل الدهر همودُ
55