النفحات المسكية من الخطب المنبرية محمد بن عبد الله بن سعيد السيفي

الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ٩٣

المنقحة المسكنة الخطة المرنة

عائشة ابنته ميمما وجه نحو رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، وهو مسجى ببرد، فيكشف

رسول

و

عن ذلك النور الشريف، ثم يبكي ويقبله، ويقول: " بأبي أنت وأمي - يا الله - ما أطيبك حيًا وما أطيبك ميتًا "، ثم خرج والتفَّ الناس حوله وقال كلماته الخالدة: " مَن كانَ يُعبد محمدًا فإنَّ محمدا قد مات، ومَن كانَ

يعبدُ اللهَ فَإِنَّ الله حي لا يموتُ"، معذرون صاحبة رسول الله (إن الخطب جسيم، والمصيبة عظيمة، قد كان) كل شيء في حياتهم قد كان حاكمهم وحبيبهم وأباهم وأخاهم وقائدهم ومنقذهم؛ فقدوا ذلك كله في ساعة من نهار؛ ويكون الصديقُ بعد ذلك خليفة رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ويصعد المنبر ليلقي أول خطاب على الأمة، فجالت في نفس الصديق خواطر ذكره المنبر بصاحب المنبر، تذكر حبيبه وصاحبه ومعلمه، فنصدع باكيًا، وكفكف دموعَه، وأعلن مبدئه في كلماته القليلة، وإنَّما جديرٌ بحكام المسلمين أن يفقهوا هذه الكلمات لتستقيم الأمة وأحوالها المزرية التي وصلت إليها، قالَ – رضي الله عنه -: أيُّها الناس إني قد وليت عليكم ولست بخيركم فإن أحسنتُ فأعينوني، وإن أسأت فقوموني، الصدق أمانة، والكذبُ خيانة، الضعيفُ فيكم قوي حتى آخذُ الحق له - إن شاء الله والقوي فيكم ضعيف، حتى آخذ الحق منه - إن شاء الله - لا يدعُ قوم الجهادَ إلا خذلهم الله بالذل، ولا تشيع الفاحشة في قوم إلا عمهم الله بالبلاء، أطيعوني ما أطعتُ الله ورسوله، فإن عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم".

ايک

فطبق هذا المنهج - رضي الله عنه - أنفذ جيش أسامة، وحارب المرتدين، وأعزَّ اللَّهُ به الحق المبين، ونصر به الإسلام والمسلمين، فعل ما لا يفعل في مئات السنين في سنتين ونيّف، والبشرُ لا تقاس بأعمارها، بل بهممها وأعمالها وهكذا أسلم أبو بكر الروح إلى باريها، فأسكت فم طالما جلجل بذكر الله ودعا إلى الله، وأُغمضت عينان لطالما سهرتا وبكتا من الله، واستراحت يدان لطالما دافعت وجاهدت مع رسول الله (صلى الله عليه وسلم)

خشية

(1) نيف: يُكنى عن عددٍ مِنَ الواحدِ إلى الثلاثةِ.

92