النفحات المسكية من الخطب المنبرية محمد بن عبد الله بن سعيد السيفي

الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ٩٥

نقحة المسيَّة الخَظَمُ

الخطبة الرابعة عشر

الإعصار المالي في العالم

مراد الرحمن الرحيم

الحمد لله المطلع على خَطراتِ القلوب والنوايا استوى علمه جل شأنه بالظواهر والخفايا، وبما تقوم به الجوارح وما انطوت عليه الحنايا أحمده ربَّنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى، ونثني عليه ثناء طيبا يتجاوز المدى مكثارًا لا تحصي له عددًا، ونشهد أن لا إلهَ إِلَّا اللهُ وحدَه لا شريك له شهادة من ثبت على التوحيد ثباتًا دائمًا، وتمسك به جالسًا وقائمًا، ونشهد أن سيدنا محمدًا عبده ورسوله انتخبه الله للإنسانية دليلا وهاديًا، وطهرَه مِنَ الباطل فلم يكن للشيطان على قلبه سبيلا خافيا

وباديًا؛ أمَّا بعد:

فيا أيُّها الناس

قد رأيتُم تصرُّمَ الليل والنهار، وشاهدتم ما يصنعُ مرورهما بهذه الأعمار، وعاينتُم من مواعظهما ما فيه مزدجر لأولي الأبصار، وتبيَّن لكم من أيام الدنيا بعدها قرب؛ ويسرها عسر، صحتها، سقم، كم أسبلت فهتكت وكم أضحكت فأبكت وكم كست فأوكست، وكم حلت فأوحلت، وكم أينعت فنعت، وكم أقبلت فأدبرت، وكم صفت فكدَّرت، وكم أمنت فغدرت فيا معشر الجمع الغفير، ويا خَلفَ مَن قد دبر، ويا بقية من قد غبر، ويا جددَ الأجال وعبيد الآمال، أتظنون أنَّكم في الدنيا مخلدون؟ أم تحسبون أنكم مِنَ الموتِ محصنون، ساء ما تتوهمون، هيهات هيهات إنَّكم إذا لمغرورون وجدوا لله والرحيل، فاحتقبوا زادًا كافيًا، ووجبَ السؤال فأعدوا جوابًا شافيًا، فكأن قد نعق بكم ناعقُ الشَّتاتِ، ودارت عليكم رَحَى الآفاتِ،

94