الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ٢٩٢يلاقي
بعض
وإبانة عيوب شعره، ولقد دلّت على غزارة مادته، وتوفر إطلاعه، وحكى في أول الرسالة السبب الحامل على ذالك، فقال: لما ورد أحمد بن الحسين المتنبي مدينة السلام، منصرفاً عن مصر، ومتعرضاً للوزير أبي محمد المهلبي بالتخييم عليه ن والمقام لديه، التحف رداء الكبر، وأذال ذيول التيه، وثنى عطفيه جبرية وأنواراً، لا إلا أعرض عنه تيها، وزخرف القول عليه تمويهاً، تخيل عجباً إليه، أن الأدب مقصور عليه، وأن الشعر بحر، لم يرد نمير مائة غيره، وروض لم يرد نواره سواه، فهو يجني جناه، ويقطف قطوفه دون من تعاطاه، فكل مبحر في الخلاء [502] يسر، ولكل نباء مستقر، فغير جارياً على هذه الوتيرة مدة مديدة، لجورته رسن البغي فيها، فظل يمرح في تيهه، حتى إذا تخيل أنه السابق الذي لا يجارى في مضمار، ولايساوى عذاره بعذار، وأنه رب الكلام، ومقتض عذارى الألفاظ، ومالك رق الفصاحة نظماً ونثراً، وقريع دهره الذي لا يقارع فضلاً وعلماء وثقلت وطأته على كثير مما وسم نفسه بميسم الأدب، وأنبط من مائه أعذب مشرب، فطأطأ رأسه، وخفض بعض جناحه، وطامن على التسليم له طرفه، وساء معز الدولة أحمد ابن بويه المقدم ذكره، وقد صورت حاله أن يرد حضرته، وهي دار الخلافة، وبيضة الملك، رجل صدر عن حضرة سيف الدولة بن حمدان، وكان عدواً مبايناً لمعز الدولة، فلا يلقى أحد بمملكته يساويه في صناعته، وهو ذو النفس الأبية، والعزيمة الكسروية، والهمة التي لو همت بالدهر، لما تصرفت بالأحرار صروفه، ولا دارت عليهم دوائره، وتخيل الوزير المهلبي، رجماً بالغيب، أن أحداً لا يستطيع مساجلته، ولا يرى نفسه كفؤاً له، ولا يضطلع بأعبائه، فضلاً عن التعليق بشيء من معانيه، وللرؤساء مذاهب في تعظيم من يعظمونه، وتفخيم من يفخمونه، وربما بهم الحال، وأوشكوا عن هذه الخليقة الانتقال، وتلك صورة الوزير المهلبي في عوده عن رأيه هذا فيه، ولم يكن هنالك مزية يتميز بها أبو الطيب عن الهجين الجذع من أبناء الأدب، فضلاً عن العتيق القارح إلا الشعر، ولعمري، إن أفنانه كانت فيه رطبة، ومجانية عذبة، فنهدت له متتبعاً، عواره، ومقلماً أظفاره، ومذيعاً
حالت
289