الصحيفة القحطانية حميد بن محمد العبيداني، الشهير بـ "ابن رزيق"

الجزء الثالث

الجزء ٣ · صفحة ٢٩٣

أسراره، وناشراً، مطاويه ومنتقداً من نظمه ما تسمح فيه، ومتحيناً فيه أن تجمعنا دار يشار إلى ربّها، فأجري أنا وهو في مضمار، يعرف به السابق من المسبوق، واللاحق عن المقصر عن اللحوق وكنت إذ ذاك، ذا سحاب مدرار وزند في كل

6

فضيلة، وار، وطبع يناسب صفوا لعقار، إذا وشيت بالحباب ووشيت بها سرائر الأكواب، وهذا وغدير الصبا، صاف، ورداؤه، ضاف، وديباجة العيش غضة، وأرواجه معتلة، وغمائمه منهلة، وللشبيبة شرة والإقبال من الدهر عزة، والخيل تجري يوم الرهان بإقبال أربابها، لا بعروقها ونصابها، ولكل امرئ حظ من مواتاه زمانه، يفضي في ظلّه أرب، ويدرك مطلب، ويتوسع بزاد ومذهب، حتى إذا عدت [503] من اجتماعنا عواد من الأيام، قصدت مستقره، وتحتي بغلة سفواء، تنظر من عيني باز، وتتشوف بمثل قادمتي نسر، وهي مركب رائع، كأني كوكب، وقاد من تحته غمامة، يقتادها زمام الجنوب، وبين يدي عدّة من الغلمان الروقة مماليك وأمراريتها فتون تهافت مزيد الدر عن أسلاكه. ولم أورد هذا متبجحاً ولا متكبراً بذكره، بل ذكرته، لأن أبا الطيب شاهد جميعه في الحال، ولم ترعه روعته، ولا استعطفته من زبرجة ولا زادته تلك الجملة الجميلة، التي ملأت طرفه وقلبه إلا عجباً بنفسه، وإعراضاً عني بوجهه، وقد كان أقام سوقاً عند أغيلمة، لم ترضهم العلماء، ولا عركتهم رحى النظراء، ولا انضوا أفكاراً في مدارسة الأدب، ولا فرقوا بين حلو الكلام ومره وسهله ووعره، وإنما غاية أحدهم مطالعة شعر أبي تمام، وتعاطي الكلام على نبذ من معاينة، أو على ما تعلقت الرواة، مما يجوز فيه، فألفيت هناك فتية تأخذ عنه شيئاً من شعره فحين أوذن بحضوري واستؤذن عليه لدخولي، نهض عن مجلسه مسرعا ووارى شخصه عني مستحفيا، وأعجلته نازلاً عن البغلة، وهو يراني، لانتهائي بها إلى حيث أخذها طرفة، ودخلت، فأعظمت الجماعة قدري، وأجلستني في مجلسه، فإذا تحته أخلاق عباءة قد ألحت عليها الحوادث، فهي رسوم دائرة، وأسلاك متناثرة، فلم يكن إلا ريثما جلست، فأتانا، فنهضت فوفيته حق السلام غير مشاح له في القيام لأنه إنما اعتمد بنهوضه عن

290