الصحيفة القحطانية حميد بن محمد العبيداني، الشهير بـ "ابن رزيق"

الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ٥٧

ثم نادى أيها الناس قاتلوا والتمسوا بذلك إحدى الحسنيين، إما الشهادة وعظيم ثوابها، وإما الغنيمة وعظيم حظوتها. ثم نادى المسلمون، ودعا بعضهم بعضاً، وثاب من انصرف منهم، فحملوا وحملت عليهم العجم من كل ناحية، فتطاعنوا بالرماح، وتضاربوا بالسيوف واقتتلوا قتالاً شديداً لم يسمع السامعون بمثله، حتى اختضبت الفرسان بالدماء وكثرت القتلى بينهم والجرحى من وقت الزوال إلى أن توارت الشمس بالحجاب (1) فنادى المثنى بن حارثة يا معشر العرب الرواح إلى الجنة، ونادى جرير بن عبد الله البجلي، ومن كان معه من الأمراء والرؤساء من كل ناحية ثم حملوا على العجم حملة واحدة فلم يكن للعجم ثبات فانهزموا على وجوههم حتى انتهوا إلى نهر بني سليم)، فوقفوا هناك، واتبعهم المسلمون أيضا، فقاتلوهم قتالا شديدًا، وخرج مهران رئيسهم، فوقف أمام أصحابه يقاتل ويجالد بسيفه، فحمل عليه المثنى بن حارثه الشيباني، فضربه مهران على هامته بالسيف فنبا السّيف عن البيضة، وضربه المثنى على منكبه فسقط ميئا، فلما نظرت العجم إلى رئيسهم قتيلا، ألقى الله الرعب في قلوبهم، فانهزموا على وجوههم، واتبعهم عبد الله بن سليم وعروة بن زيد الخيل، و المثنى بن حارثة في زهاء ألف رجل من العرب، فلم يفرحوا بغنيمة ولا غيرها، فأسروا من العجم ثلاثة آلاف رجل، فصاروا في أيديهم، ومضى بقية العجم بالركض الشديد حتى لحقوا بالمداين وبات المسلمون يعصبون الجراحات، ويدفنون قتلاهم، وقد استولوا على ما كان للعجم من مال وسواد، وقد تزعم بجيلة، وسائر اليمانية أن الأمير في هذه الوقعة جرير بن

(1) العوتبي، سلمة بن مسلم: الأنساب، ج 2، ص 33. (2) نهر بني سليم نهر بالبصرة منسوب إلى سَلم بن عبد الله بن أبي بكرة. أنظر الحموي، ياقوت بن عبد الله: معجم البلدان، ج 5، ص 321.