الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ٢٤٦بيان يؤديان إلى غير حليتهما، أو يفيدان غير جوهرهما، ولو كانت أيامه قديمة ورسومه بعيدة، لشك فيه بعض الأمم، لصنعته ما لم يصنعه أحد منذ خلق الله الدنيا، من اختراعه العلم الذي قدمت ذكره، ومن تأسيسه كتاب "العين"، الذي يحصر لغة كل الأمة قاطبة. ثم من إمداده سيبويه في علم النحو، بما صنف منه كتابه، الذي هو زينة لدولة الإسلام، وقيل: إن الخليل دعا بمكة أن يرزق علماً، ما يسبقه إليه غيره، ولا يؤخذ، إلا عنه عن حجة، ففتح الله تعالى عليه علم العروض، وله معرفة بالإيقاع والنغم، وتلك المعرفة أحدثت له علم العروض، فإنهما متقاربان في المأخذ. وقال تلميذه النضر بن شميل (1): أقام الخليل في خص من أخصاص البصرة، لا يقدر على فلسين، وأصحابه يكسبون بعلمه الأموال، ولقد سمعته يوماً، يقول: إني لأغلق علي بابي مما يجاوزه همي، وكان يقول: أجمل ما يكون الإنسان عقلاً وذهناً، إذا بلغ أربعين سنة، وهي السنين التي بعث الله فيها محمد، ثم يتغير، وينقص، إذا بلغ ثلاثاً وستين سنة، وهي السن التي قبض فيها رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وأصفى ما يكون ذهن الإنسان، وقت السحر (2). وكان له راتب على سليمان بن حبيب بن المهلب بن أبي صفرة الأزدي، وكان والي فارس والأهواز، فكتب إليه يستدعيه، فكتب الخليل جوابه شعراً (3):
(1)
أبلغ سليمان أني عنه سعة
وفي غنى غير لست ذا مال
النضر بن شميل (122 - 203 هـ / 740 - 819 م: النضر بن شميل بن خرشة بن يزيد المازني التميمي، أبو الحسن، أحد الأعلام بمعرفة أيام العرب ورواية الحديث وفقه اللغة. ولد بمرو، وانتقل إلى البصرة مع أبيه سنة 128 هـ، وأصله منها، ثم عاد إلى مرو، وتولى قضائها. واتصل بالمأمون العباسي فأكرمه وقربه. وتوفي بمرو، ومن كتبه "الصفات" في صفات الإنسان والبيوت والجبال والإبل والغنم والطير والكواكب والزروع، و"كتاب السلاح" و"المعاني" و"غريب الحديث" و"الأنواء".
(2) انظر: ابن خلكان، أحمد بن أبي بكر وفيات الأعيان، ج 5، ص 245.
243
245 - 246
(3) المصدر نفسه،
ص