كشف الغمة الجامع لأخبار الأمة سرحان بن سعيد بن سرحان السرحني

الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ٢٢٧

227

?

الباب السادس في ظهور النبي.

محمد

فصل في إسلام جن نصيبين

ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بإنذار الجن، وصرفوا إليه مرة ثانية.

قال عبد الله بن مسعود (1). خرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، بأعلى مكة، فدخلنا شعب الحجون، فخط لي رسول الله خطاً، وأمرني بالجلوس فيه، وقال لي: لا تخرج منه حتى أعود إليك، فجلستُ فيه، ومضى النبي، فافتتح القرآن فكنت أرى النسور تهوي إليه، وسمعت لغطاً شديداً، حتى خفت على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وغشيته نسور كثيرة، حالت بيني وبينه، حتى ما كنت أسمع له صوتاً. ثم طفقوا يمضون كقطع السحاب ذاهبين، ففرغ رسول الله منهم مع الفجر، وأتى إليَّ فقال: أنمت؟ فقلتُ: لا والله، ولقد هممت مراراً، أن استغيث بالناس، حتى سمعتك تفزعهم بعصى، وتقول: اجلسوا. قال النبي: والله لو خرجت، لم آمن عليك أن يختطفك أحد منهم. ثم قال لي: هل رأيت شيئاً؟ قلت: نعم، رأيت رجالاً، سوداً، عليهم ثياب بيض، قال: أولئك جن نصيبين، سألوني الزاد، فمتعتهم بكل عظم حائل وروثة وبعرة، فقالوا: يا رسول الله، يقذرها بنو آدم، يعنون العظام، لأن الروث لدوابهم، فنهى رسول الله عن الاستجمار (67) بالعظام والروث، فقلت: يا رسول الله، وما يغني عنهم ذلك؟ قال: إنهم لا يجدون عظماً، إلا وجدوا عليه لحمة يوم أكل، ولا روثة، إلا وجدوا عليها حبّها يوم أكلت.

(1) عبد الله بن مسعود: عبد الله بن مسعود بن غافل بن حبيب الهذلي، أبو عبد الرحمن: صحابي من أكابرهم فضلاً وعقلا، وقرباً من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو من أهل مكة، ومن السابقين إلى الإسلام، وأول من جهر بقراءة القرآن بمكة. وكان خادم رسول الله الأمين، وصاحب سره، ورفيقه في ترحاله وغزواته، يدخل عليه كل وقت يمشي معه. نظر إليه عمر يوماً، وقال: وعاء مليء علماً. وولي بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم بيت مال الكوفة. ثم قدم المدينة في خلافة عثمان بن عفان، فتوفي فيها عن نحو ستين عاماً. انظر: الزركلي، خير الدين الأعلام، ج 4، و 137. انظر: ابن الأثير، علي بن محمد: أسد الغابة في معرفة الصحابة، ج 3، ص 381 - 387.

، ص