الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٣٦١الباب الثاني عشر في ذكر الأمور الحادثة في السنة الثالثة من الهجرة
361
المدينة. قال: أبلغوا عني محمداً أنا قد أجمعنا على استئصال بقيتهم. وانصرف أبو سفيان إلى مكة. ومرّ الركب بالنبي، فأخبره بما قال أبو سفيان، فقال: حسبنا الله ونعم الوكيل. (135)
قيل: أقام النبي بحمراء الأسد يوم الاثنين والثلاثاء والأربعاء. وكان المسلمون يوقدون في هذه الليالي خمسمائة، نار، فذهب صوت معسكرهم وضوء نارهم في كل وجه. فكبت الله بذلك عدوهم.
ووجد النبي أبا عزة الشاعر (1)، فأسره، وكان قد أسره قبل ذلك مرة، وسأل النبي أن يطلقه، وقال: يا محمد إن لي بنات فرحمه النبي، فأطلقه، وأخذ عليه العهد أن لا يعين عليه، فأعان عليه يوم أحد، فأسره بحمراء الأسد. وانصرف إلى المدينة، فدخلها يوم الجمعة، وكانت غيبته خمس ليال، فقال أبو عزة اطلقني يا محمد، فإن لي بنات فقال له النبي: لا تمسح على لحيتك، وتقول: خدعت محمداً مرتين، ثم قال: لا يلسع مؤمن من جحر مرتين، وأمر به فقتل، فسميت هذه الغزوة حمراء الأسد.
فيهم مشاهير. انظر الزركلي خير الدين الأعلام، ج 4، ص 49. وانظر العوتبي. بن سلم: الأنساب، ج 1، ص 147. (1) أبو عزة الشاعر: عمرو بن عبد الله بن عثمان الجمحي، شاعر جاهلي، من أهل مكة، أدرك الإسلام وأسر على الشرك يوم بدر، فأتي به إلى الرسول صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، لقد علمت ما لي من مال، وإني لذو حاجة وعيال، فامنن علي، ولك أن لا أظاهر عليك أحداً. فامتن عليه، فنظم قصيدة يمدحه بها، ومنها البيت المشهور
فانك من حاربته لمحارب شقي ومن سالمته لسعيد ثم لما كان يوم أحد دعاه صفوان بن أمية، سيد بني جمح للخروج، فقال: إن محمداً قد من علي، وعاهدته أن لا أعين عليه، فلم يزل به يطعمه حتى خرج وسار في بني كنانة، واشترك مع عمرو بن العاص في استنفار القبائل، ونظم شعراً يحرض به على قتال المسلمين. فلما كانت الواقعة أسره المسلمون فقال: يا رسول الله من علي، فقال النبي لها: لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين، لا ترجع إلى مكة تمسح عارضيك وتقول: خدعت محمداً مرتين وأمر به عاصم بن ثابت، فضرب عنقه. انظر: الزركلي، خير الدين: الأعلام، ج 5، ص 80 - 81.