الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ١٣٦=
136
الجامع لأخبار الأمة
ثم أقبل عظيم من عظماء الفرس، فقال لجيلوش: انج بنفسك وأنفسنا قبل أن تقتل، فإن هذا أوان زوال الملك عنا، فأبى جيلوش أن ينصرف، أو يدع أحداً من الفرس أن يمضي، فقال الرجل لجيلوش: إذا أبيت فقف حتى أريك علامة زوال الملك عنا. فوقفوا جميعاً، فقال الرجل: انظر إلى رميي، وأخذ كرة، ورمى بها في الهواء، ورماها بسهم فكان كلما انحدرت ردها بسهم آخر، ولم تصب الأرض حتى صارت كالغربال من وقع السهام بها، فقال: أما نظرت إلى حسن رميي؟ فقال جيلوش لم أرَ رمياً أحسن من رميك، فقال الرجل: هكذا أرمي في العرب، لم يغن فيهم شيئاً.
ثم أقبلت إليهم أوائل العرب، فلما رآهم جيلوش وأصحابه، زحفوا إليهم، فرشقهم. ذلك الرجل وجيلوش بالسهام، فلم يصيبا أحداً، فقال الرجل لجيلوش أما هذه علامة زوال الملك عنا؟ ثم ولوا منهزمين.
ومرت العرب في آثارهم وأمامهم، عمرو، وقيس، وطليحة، وجرير، وانفرد جرير عن أصحابه، فلما رآه العجم منفرداً، عطفوا عليه وطعنوه برماحهم، فسقط عن فرسه، ولم تعمل فيه الرماح لحصانة درعه، وعاد فرسه راجعاً، وتلاحق بجرير أصحابه، فحالوا بينه وبين العجم، وانهزمت العجم، وأقبل إلى جرير رجل من أهل بيته ببرذون من (249) براذين العجم مضروب بسيف على كفله، وقال: اركب يا أبا عمر فقال: والله لا أركب، فتتحدث العرب أني ركبت برذوناً مضروب الكفل بسيف، فاقبل عليه ابن عمه ببرذون آخر مطوق بطوق ذهب، فقال: إركب يا أبا عمر فقال: أهذا من براذين العجم؟ قال: نعم، فركبه، وطلب العجم، فقتل من أدرك منهم حتى أمعنوا في الهرب، ومرّت العجم، حتى وافت المدائن (1) الملك.
مع
(1) المدائن: مدينة قديمة في العراق، بناها الإسكندر المقدوني، وأقام بها راغباً عن بقاع الأرض جميعاً، وعن بلاده ووطنه حتى مات قال يزدجرد أما أنو شروان بن قباذ، وكان أجل ملوك الفرس حزماً