الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ١٤٦146
الجامع لأخبار الأمة
ثم حرك فرسه وجعل يدور على الرايات والصفوف، ويقول: أيها الناس، إنما قوام الإسلام بالله، ثم بكم، فاصبروا وصابروا، فإن الله أعد للصابرين أجراً عظيماً، فإن هؤلاء العجم قد أحضروا عليكم أموالاً جزيلة، وخزائن عظيمة، ودنيا عريضة، فإن هربوا تركوها لكم، وإن هربتم أوهنتم الإسلام، وأضعتم الحرمة، فليشتغل كل منكم بقرنه، ولا يحل قرنه على أخيه، فإن في ذلك عار الدنيا وعذاب الآخرة. أيها الناس إن عاقبة الصبر محمودة، ومع الصبر النصر.
القوم.
فقال النعمان
وجعل يدور في العسكر، ويحرضهم، والناس وقوف، فأتاه المغيرة بن شعبة، وقال: أيها الأمير، إن الناس قد تشوقوا إلى لقاء رويداً، فإني منتظر الساعة التي كان يقاتل فيها رسول الله، وهي زوال الشمس، ساعة تهب (255)، الرياح، وإني إذا قرب الوقت، هززت الراية ثلاثاً، فإذا هززتها الأولى، فشدّوا على خيولكم، وفي الثانية فقوموا أسنتكم، وهزوا سيوفكم، وفي الثالثة، فكبروا الله، واحملوا على القوم، فإني حامل أولكم، ولا قوة إلا بالله، فجعل الناس ينظرون إلى الراية.
فلما زالت الشمس وهبت الريح، هزّ النعمان الراية، فنزل الناس عن خيولهم، واستوثقوا من ألبابها وأنثارها، ثم هزّها الثانية، فقوم القوم رماحهم نحو العجم، وهزوا سيوفهم، ثم هزّها الثالثة، وكبر، وحمل، فكبر القوم، وحملوا، وفي أوائلهم عمرو بن معد يكرب وفرسان المسلمين حملة رجل واحد، وأسندوا رؤوسهم إلى قرابيس سروحهم، فلم يكن للعجم ثبات عند حملتهم، فانهزموا مدبرين.
وكان النعمان أول من قتل من المسلمين فحمله أخوه سويد، وأدخله معسكر العرب، وأخذ ثيابه، ولبسها، وركب فرسه متشبهاً بها، لئلا يظن المسلمون أن النعمان قتل فينكسروا، ثم صار إلى المسلمين، وولي الأمر
حذيفة بن اليمان.