الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ١٨٥الباب السادس والعشرون في ذكر خلافة علي بن أبي طالب وما جرى فيها من الفتن
185
فبلغنا أن معاوية استشار بعض خواصه فأشار عليه أن يعطيه، وقال سعد يشير عليه:
اعطه مصر وزده مثلها إنما مصر لمن عزّ وبز إن مصر لعلي أو لنا يغلب الآن عليها من عجز (1) فقيل: إن معاوية جعلها له مأكلة ليس له عليها سلطان، ولا يملك منها شيئاً، ولا يجري له حكم فيها، ولا يقبض له درهماً، وأعطاه على ذلك العهد. ولما أصيب عمار ارتاب المبطلون، وأراد الله أن يمحص الذين آمنوا، ويمحق الكافرين، وتفرق الناس، وتراجعوا، فرجع معاوية إلى الشام، ورجع علي إلى الكوفة.
ومن كلام علي: والله لقد تقمصها فلان وإنه ليعلم أن محلي منها محل القطب من الرحى، ينحدر عني السيل، ولا يرقى إلى الطير، فسدلت دونها ستراً، وطويت عنها كشحاً، وطفقت إرثاً لي بين أن أصول بيد جذاء، أو أصبر على طخية عمياء، يهرم فيها الكبير، ويشيب فيها الصغير ويكدح فيها (276) مؤمن حتى يلقى ربه، فرأيت أن الصبر على هذا أحجى، فصبرت، وفي العين قذى، وفي الحلق شجا، أرى تراثي نهباً، حتى مضى الأول لسبيله، فأدلى بها إلى فلان من بعده ثم تمثل بقول الأعشى (2) شعراً: شتان يـا يومي على كورها ويوم حيان أخو جابر
(1) انظر البيتين في القلهاتي؛ أبو عبد الله بن سعيد الأزدي: الكشف والبيان، ج 2، ص 236. (2) الأعشى: ميمون بن قيس بن جندل البكري الملقب بالأعشى، ويقال له: أعشى بكر بن وائل، والأعشى الكبير. ولد باليمامة، وشب ماجناً بشرب الخمر، ويسرف في اللهو، وقد أدى به ذلك إلى الإتلاف وطلب المال بإلحاح، وضرب في الأرض يستدرّ أكف الأمراء ذوي الأمر، حتى طارت وصارت له شهرة واسعة في الشعر، وعُدّ من شعراء الطبقة الأولى في الجاهلية، أدرك الإسلام، ولم يسلم، وتوفي في قرية «منقوحة»، انظر حنا الموجز في الأدب العربي وتاريخه، دار الجليل، بيروت، الطبعة الثانية، 1991 م، ج 1، ص 213 - 232.