الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ١٥٧الخوف والحزن المنفيين هنا عن اتباع الهدى على أقوال أبلغها أبوحيان في البحر المحيط إلى اثني عشر قولا، وأكثرها متداخل، وهي كلها ترجع إلى أن أنهم لا يحزنون على فائت ولا يخشون مما يستقبلهم، وهذه الحالة إنما هي في الحياة الآخرة طبعا عندما تتلقاهم الملائكة، ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون. نحن أولياؤكم في الحياة
الدنيا وفي الآخرة ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم ولكم فيها ما تدعون (فصلت: 30 - (31)، أما في الدنيا فالمؤمنون أشد خوفا لعدم أمنهم من مكر الله، ولمعرفتهم بعظم الهول وجلل الخطب، فلذا كانوا أشد مراقبة للنفس ومحاسبة لها، ويدل على ذلك ما وصفهم الله به في كتابه كقوله: إن الذين هم من خشية ربهم مشفقون إلى قوله .. والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة أنهم الى ربهم راجعون) (المؤمنون: 57 - 60)، وقد وصف الله بالخوف الأنبياء ـ وهم صفوته من خلقه ـ ومن ذلك قوله في زكريا وآله وكانوا يدعوننا رغبا ورهبا وكانوا لنا خاشعين (الأنبياء: (90)، وكذا الحزن، فإن من شأن المؤمن أن يحزن في الدنيا بسبب شعوره بالتقصير في طاعة الله، وهو يرى نفسه دائما مسبوقا بالمجدين في الطاعة والمسارعة إلى الخيرات كما أنه يحزن كما يحزن غيره - لما يعتريه من مصائب الدنيا ونوائبها.
وظاهر كلام الإمام محمد عبده في المنار أن الخوف والحزن منفيان عن أهل الهدى في الدنيا والآخرة ونصه: «فالمهتدون بهداية الله تعالى لا يخافون مما هو آت، ولا يحزنون على ما فات، لأن اتباع الهدى يسهل
- 157 -