الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ١٥٨عليهم طريق اكتساب الخيرات ويعدهم لسعادة الدنيا والآخرة، ومن كانت هذه وجهته يسهل عليه كل ما يستقبله، ويهون عليه كل ما أصابه أو فقده، لأنه موقن بأن الله يخلفه فيكون كالتعب في الكسب لا يلبث أن يزول بلذة الربح الذي يقع أو يتوقع». (1)
وقد علمتم أن المؤمن في الدنيا لا يبارحه الخوف لأنه الواقي من الخوف في الآخرة اذ لا يجمع الله على عبد خوفين، وفي الآيات القرآنية الواصفة للمؤمنين بالخوف والآمرة به، وفي أحاديث الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام ما يكفي دليلا على أن الخوف من الله - كرجائه تعالى ـ من أهم واجبات الدين، فبهما يستقيم أود النفس، وتنزجر عن
الله
المعاصي، وتسابق إلى الخيرات، وإذا كان النبيون أشد خوفا من كما ثبت في الحديث، فما بالكم بسائر المؤمنين على أن خوف كل أحد إنما. هو بقدر علمه وإيمانه، فكيف يقال إن المؤمنين لا يعتريهم الخوف في الدنيا؟ وأما الحزن فهو أمر فطري جبلت عليه نفوس البشر وإن تباينت فيه بحسب اختلاف أمزجتها، وهو يعتري البر والفاجر، كيف وقد أصاب الأنبياء، وهم أكمل البشر وصفا، وأعظمهم صبرا، وأشدهم جلدا، فقد وصف الله يعقوب عليه السلام بقوله: وابيضت عيناه من الحزن فهو كظيم (يوسف: (84، وحكى عنه قوله: إني ليحزنني أن تذهبوا بهم (يوسف: (13)، وقال لصفوة الأنبياء وخاتم المرسلين: (ولقد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون (الأنعام: (33)،
(1) المنار ج 1، ص 285 - الطبعة الرابعة
-101 -