الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ٢٢٣صاحب المنار برجل أمامه طريق مضيء نصبت فيه الأعلام والصوى بحيث لا يضل سالكه ثم هو يسلك طريقا آخر مظلما طامس الأعلام، وكلما لقى في طريقه شخصا نصح له أن لا يمشي معه وأن يرجع الى طريق الهدى الذي تركه، وساغب يدعو الناس إلى المائدة الشهية ويبيت على الجوع والطوى، أو صاد يدل العطاش على مورد الماء ولا يرد
معهم (1) وإذا كان الباعث على دعوة الغير إلى الخير النصح له والإشفاق عليه فإن نفس الإنسان أولى بالنصح والإشفاق، فمن لم يبر نفسه لن يبر غيره، وكما جاء النعي على هذه الحالة في خطاب بني اسرائيل جاء في خطاب المؤمنين، فقد قال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون) (الصف: 3)، وفي قول شعيب لقومه: {وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت (هود: (88 دليل على أن النصح القولي
وإن بلغ غايته إذا لم يصدقه العمل ليس من الإصلاح في شيء. هذا وقد جاء على لسان رسول الله له من الوعيد البالغ على هذه الحالة الممقوتة ما فيه عظة لأولي الألباب من ذلك ما أخرجه أحمد والشيخان من حديث أسامة بن زيد رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «يُجاء بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار فتندلق به أقتابه فيدور بها كما يدور الحمار برحاه فيطيف به أهل النار، فيقولون يا فلان
(1) المنارج 1، ص 297 - الطبعة الرابعة.
- 223 -