الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ٢٢٧وإذا كان محط الإنكار والتعجيب قوله: وتنسون أنفسكم) فإن
في قوله: وأنتم تتلون الكتاب إضافة توبيخ الى توبيخ لأن الجدير بمن تلا كتاب الله فميز بنوره بين الحق والباطل، والرشد والضلال، أن يكون أسرع إلى الإستفادة بما فيه من خير، والاستنارة بما يحويه من الهدى، وذلك باتباع أوامره، والكف عن زواجره، والوقوف عند الحدود التي رسمها. والتلاوة القراءة مأخوذة من تلا يتلو تلوا بمعنى تبع، وذلك أن التالي للكتاب يتبع آخره إثر أوله حتى يأتي على حروفه وكلماته فيستجمع ما فيه من المعاني، والمراد بالكتاب هنا التوراة التي حملوها فلم يحملوها، أي لم يأتمروا بأمرها، فكان مثلهم كمثل الحمار يحمل أسفارا، ومن عدم إتمارهم بما فيها إعراضهم عن الإيمان بالنبي صلى الله عليه وسلم مع ما يتلونه في الكتاب من نعوته وأخباره.
وفي هذا التوبيخ تنبيه إلى أن التلاوة اللسانية إن لم يصحبها التأثر النفسي الذي يصدر عنه العمل بموجب ما يتلى ليست من ورائها جدوى إذ كل ما أنزله الله من كتاب إنما أنزله ليكون هدى للناس يقتادهم إلى صراط الله العزيز الحميد، فقرّاء القرآن من هذه الأمة الذين يقتصرون في تلاوتهم على تحسين الأنغام وتجويد الحروف - مع نسيانهم أوامره ونواهيه، ومواعظه وإرشاداته - مندرجون فيمن يصدق عليهم هذا التقريع والإنكار. وقوله: (أفلا تعقلون) تقريع آخر لأن من شأن العقل تبصرة
- 227 -