الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ٢٢٦الفاجر ليس له أن يأمر بالمعروف وينهي عن المنكر، فإن فجوره لا يسقط عنه واجبا، ولا يمنعه من احسان، وقد أجاد سعيد بن جبير في قوله: لو كان المرء لا يأمر بالمعروف ولا ينهي عن المنكر حتى لا يكون فيه شيء ما أمر أحد بمعروف ولا نهى عن المنكر.
ومحل الاستنكار والتوبيخ في الآية هو نسيان أنفسهم مما يأمرون به غيرهم، وليس أمرهم الناس بالبر وإنما مثلها مثل قول القائل: أتعرف الله وتعصيه؟ أو أتصوم ولا تصلي؟ فإن الإنكار واقع على المعصية، وترك الصلاة دون معرفة الله والصوم. وقد أجاد ابن عاشور في قوله:
«ليس المقصود نهي ولا تحريم، ويدل لذلك أنه قال في تذييلها أفلا تعقلون) ولم يقل أفلا تتقون أو نحوه (1).
وإنما كانت هذه الحالة فظيعة - وان كان إهمال الإنسان نفسه من
عمل البر مذموما ولو لم يأمر به غيره - لأن أمر غيره به دليل انتباهه له ومعرفته بجدواه، ويلام العالم ما لا يلام الجاهل ويعنف الذاكر ما لا يعنف الغافل، وبهذا يتضح لك أن الواو في «وتنسون أنفسكم» للحال، كما يتضح لك بعد تجويز ابن عاشور أن تكون عاطفة وأن يكون معطوفها ـ وهو «تنسون أنفسكم» - هو المقصود من التوبيخ والتعجيب، والمعطوف عليه - وهو أتأمرون الناس - تمهيدا لها على معنى أن محل
الفظاعة الموجبة للنهي هي مجموع الأمرين. (2)
(1) التحرير والتنوير ج 1، ص 476، الدار التونسية للنشر
(2) المصدر السابق
- 226 -