الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ٢٤٨والتذكير بكرامة الآباء وفضائلهم وفواضلهم من أنجح الدواعي لبعث عزائم أبنائهم على أن يحذوا حذوهم، ويقفوا أثرهم وكثيرا ما تحول الأصالة في الخير والعز والشرف عن التردي في دركات الشر والمهانة والفساد، وإذا كان الوعظ من شأنه أن يترك في الموعوظ أثرا نفسيا جارحا لشعوره بأن الواعظ لم يقصده بموعظته إلا لأنه لم يكن على الحالة التي ينبغي أن يكون عليها - وقد يفضي هذا الشعور إلى النفرة لما يصحبه من الإحساس بالمهانة - فإن مزج الموعظة بذكر شرف الموعوظ وعلو قدره وسؤدد محتده كفيل بأن يعفي هذا الأثر فيحول الشعور بالمهانة إلى شعور بالكرامة وإحساس بأن ما نهنهته عنه الموعظة أمر لا يليق بشرف الماضي وكرامة الحاضر.
وقد يقال إن اليهود كانوا من قسوة القلوب وتبلد الأذهان وتحجر الأفكار بحيث لا تجدي فيهم موعظة ولا ينفع فيهم التذكير، وهل أثر هذا الأسلوب القرآني البليغ في نفوسهم شيئا، أو أنهم ازدادوا عتوا واستكبارا، وإباءً للحق، وتعاميا عن الحقيقة، وإخلادا إلى الباطل، وتمسكا بالضلالة
والجواب أن القرآن الكريم جعله الله منارا للعالمين في جميع العصور، وهو في مخاطبته لبني إسرائيل بهذا الأسلوب يرسم لنا منهاج الدعوة، ويعلمنا كيف نتعامل مع المدعوين ونصابرهم، وإن غلظ شعورهم وساء صنعهم ولم يلقونا إلا بشراسة الأخلاق وسوء المعاملة، وهذا هو مسلك الدعوة في جميع رسالات الله، وعند جميع رسله،
- YEA-