جواهر التفسير أنوار من بيان التنزيل أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

الجزء الثالث

الجزء ٣ · صفحة ٢٦٣

وأما مذهب الخلف في التأويل فلنا أن نحمل الشفاعة فيه على أنها

دعاء يستجيبه الله تعالى والأحاديث الواردة في الشفاعة تدل على هذا، ففي رواية الصحيحين وغيرهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم يسجد يوم القيامة ويثني على الله بثناء يلهمه يومئذ فيقال له ارفع رأسك وسل تعطه واشفع تشفع»، وليس في الشفاعة بهذا المعنى أن الله سبحانه يرجع عن ارادة كان أرادها لأجل الشافع وإنما هي إظهار كرامة الشافع بتنفيذ الإرادة الأزلية عقب دعائه، وليس فيها أيضا ما يقوي غرور المغرورين الذين يتهاونون بأوامر الدين ونواهيه اعتمادا على شفاعة الشافعين، بل فيه أن الأمر كله لله، وأنه لا ينفع أحد في الآخرة إلا طاعته ورضاه، فما تنفعهم شفاعة الشافعين فما لهم عن التذكرة معرضين (المدثر: 48 - 49)، ولا يشفعون إلا لمن ارتضى) (الأنبياء: 18) (1) ولا إشكال في ثبوت الشفاعة المشار إليها لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنها لا تنافي كون الله تعالى لا تبديل لكلماته، ولا معقب لحكمه، ولا راد لقضائه، وإنما هي كما قيل دعاء من النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك الموقف العظيم الذي تتقطع فيه الألسن عن ذكر ما يعني الغير، ولا تشتغل فيه القلوب إلا بما يهم، أصحابها، وفي استجابة الله تعالى لدعائه عليه أفضل الصلاة

والسلام دلالة على مكانته عنده وعنوان على قدره بين الناس هذا وقد ذكر الأستاذ الإمام أن اليهود الذين خوطبوا ببيان هذه الحقيقة كانوا ـ كغيرهم من أهل الجاهلية وأهل الملل الوثنية كقدماء

(1) المنار، ج 1 ص 307 - 308 - الطبعة الرابعة.

- 263 -

١٬١٤١ / ١٬٨٩٨