الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ٢٨٣ما يطغى عليهم حالة الغضب والانفعال من العواطف الرعناء التي تؤدي بهم الى التهديد والوعيد بالعقوبات المفرطة، ولا غرو أن يُعد التراجع عنها ـ بعد تحكيم منطق العقل وهدوء سورة الانفعال ـ من الخصال المحمودة والفضائل المستحسنة، والله تعالى مبرأ عن كل ذلك، فلا يصح حمل شأنه على شأن خلقه، على أن إخلاف الوعيد قد يكون مذموما حتى لو كان من قبل البشر، ألا ترون أن الحاكم الذي يتوعد المجرمين بالعقوبات الرادعة ثم ينثني عنها لا يُعد انثناؤه من المحامد لما يترتب عليه من التشجيع على الإجرام، ولذلك مدحت العرب من ينجز الوعيد كما مدحت من يخلفه، ومن ذلك قول الشاعر: إن أبا خالد لمعتدل الرأ ى كريم الأفعال والبيت لا يخلف الوعد والوعيد ولا يبيت من قراه على فوت وقد اعترض أبو عثمان النهدي بهذين البيتين على أبي عمرو ابن العلاء عندما احتج عليه بالبيتين السابقين على جواز اخلاف الله لوعيده
والقول بخلف الوعيد يفضي إلى الاستخفاف بالأوامر والنواهي وعدم المبالاة بانتهاك الحرمات وتضييع الواجبات ما دامت النفس طامعة في تبديل الوعيد بخلاف ما إذا كانت قاطعة بإنجازه، ولذلك أمر الله نبيه أن يذكر بالقرآن من يخشى وعيد الله لجدوى التذكير فيهم: فذكر بالقرآن من يخاف وعيد) (ق: 45).
- YAY-