الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ٣٥٣مع
ونزول المن والسلوى، ومع ذلك لم تلبث هذه الأمة التي بعث فيها ـ عليه الصلاة والسلام أن انقادت لأمره واضطلعت بأمانته، فكان كل فرد منها كأنه رسول بعث إلى أمة، يجسد بفعله وقوله قيم الدين ومبادئ الحق ما كان منها - بادي الأمر - من مجاهرة أكثرها بعدائه، ومناصبته الحرب، ومعاكسته في الأمر، ولعمري إن هذا التحول السريع في مدة عقدين من السنين قضاهما رسول الله له بين ظهراني هذه الأمة مبلغا دعوة ربه، ومجاهدا في سبيله، لدليل كاف أن الله سبحانه أعدها بتزكية فطرتها، وتنوير بصائرها، لحمل أمانة الرسالة الخاتمة الجامعة، ولأن تكون أمة وسطا شهيدة على سائر الأمم.
والأمر في قوله سبحانه: كلوا من طيبات ما رزقناكم للامتنان ذلك لأن الموهوب يشعر بجسامة ما أنعم به الواهب إذا صرح له للانتفاع به، واستظهر منه بعض العلماء أنه لا يجوز لمن أحضر له الطعام أن يأكل منه حتى يؤمر بالأكل، والصحيح أن العرف كاف في إباحة الأكل في مثل هذه الحالة، والمسألة ونظائرها مبسوطة في كتب الفقه، والمراد بقوله: وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون أن عاقبة ظلمهم لم تعد إلا على أنفسهم، فالعبد وإن تطاول على ربه بأنواع المعاصي وصنوف الكفران فإنه لا يضر بذلك إلا نفسه، والله أجل من أن يلحقه ضرر أو يناله مكروه، ويجوز أن تكون هذه الجملة فذلكة لما وصفوا به من
صفات الظلم من قبل، كاتخاذهم العجل، وسؤالهم الرؤية
- 353 -